السبت، 28 يوليو 2012


لتراث اليهودي في الغرب الإسلامي

يُعدّ الدكتور أحمد شحلان من الخبراء القلائل المختصين في العبرية والتراث العبري اليهودي بالمغرب. فقد كان قبل تقاعده، أستاذاً للغة العبرية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وفارق الأوطان لتعلم العبرية على أيدي يهود مناضلين من أجل ثقافتها وتراثها بالجامعة الفرنسية، كما قال وزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق في كلمة تقديم الكتاب الهام. وانشغل أحمد شحلان بهذا الأمر زمناً قارب الثلث قرن، كما صرح بذلك في مقدمته.

إبعاد مزايدات اليوم
والكتاب، على حد قول مؤلفه، حصيلة مسيرته الجامعية منذ أن التحق بالجامعة- عدا المصنفات الكاملة والترجمات- اختار له العنوان المذكور؛ لأن "العلوم التي نشأت ونمت في ظل حضارة الغرب الإسلامي كانت في شق منها من بنات جهود اليهود في الغرب الإسلامي، فقد وضعوا مشهور تآليفهم باعتماد الموروث اليهودي في لغته وأصوله ومظانه، بما في ذلك ما اقتبسوه أو شرحوه، أو كانوا فيه من المحاججين المنتقدين. ووضع بعض من مشهوري أعلامهم في علومهم هاته بلغة عربية فصيحة أيضاً". وهذا السفر الثمين لا يريد أن تنحصر أهدافه فيما يقدم من معارف، ولكن المؤلف يريد أن يقول بكتابه هذا: "إن الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها كانت تنشر مبدأ عظيمًا لخّصته الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). [الحجرات: 13].
ويبرهن الكتاب بالحجج الدامغة على درجة الأمن الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والرقي الفكري، والتقدير والاحترام والإشادة، التي حظي بها اليهود بما فعلوا في العلم، مثلهم في ذلك مثل العلماء المسلمين. كما يشهد الكتاب على الأخص بالدفقة العلمية التي طرأت في الغرب الإسلامي، في كل مجالات العلوم، فجعلت من عهود الأندلس "العصر الذهبي للفكر العبري اليهودي على مدى تاريخه، شهادة من كبار علماء اليهود والمهتمين بتاريخ الفكر في الغرب الإسلامي وليست منا".
كما يريد الدكتور أحمد شحلان أيضاً، بكتابه، أن "يكون أداة تبعد مزايدات اليوم، من جوانب متعددة مختلفة، مما لا حاجة للعقل به، فالعقل عقل، ويزدان بصفاء القلب وطمأنينة الإيمان".
ويتضمن هذا السفر الشهادة بحوثاً وفصولاً حول مكونات المجتمع الأندلسي ومكانة أهل الذمة فيه، وصور من اللقاء العلمي بين المسلمين وأهل الذمة في الأندلس. كما يعرض للحياة العامة في أندلس العصر الوسيط، وكيف صار الشعر في ملة العرب طبعاً وفي سائر الملل تطبعاً. ويعرض الكتاب أيضاً طائفة من الكتب والأعمال والمؤلفات التي تركها اليهود الأندلسيون بالعبرية والعربية معاً، في عدة ميادين ومجالات من الحياة والمعرفة.

مقعد الدرس ومجمع المناظرة
من أمتع فصول الكتاب ذاك الفصل الذي عرض فيه أحمد شحلان لصور من اللقاء العلمي بين اليهود والمسلمين في مقاعد الدرس ومجامع المناظرة، حيث كان يلتقي طلاب العلم والمعرفة المنفقون لها، وتاريخ طليطلة ومدرستها، كما يقول الكاتب، أثار كثيراً من النقاش وأسال الكثير من المداد، وتحيي إسبانيا مجد هاتيك المدرسة بإعادة الحياة إليها وإعادتها إلى سالف مجدها". وكما كان اليهود والنصارى يتلقون العلم عن المسلمين، كان المسلمون بدورهم يتلقون عنهم، وكما تم اللقاء في مجلس العلم، تم أيضا في باب الفتوى، إذ كان أهل الذمة يستفتون الفقهاء في أمور علمية غاية في التعقيد.
ويحدثنا المؤلف عن المنهج التربوي البيداغوجي الذي اقتبسه اليهود في التربية والتكوين الذاتي وللأطفال، من المسلمين. "وقد خص يهود الأندلس الدرس النحوي واللغوي بكبير عناية، وهم الذين وضعوا الكتب الأولى في علم النحو وعلم اللغة بعد أن كان من قبلهم، في غير أرض الإسلام، لا يزيدون عن وصف مخارج ووضع القواعد التي يُحفظ بها اللفظ من التحريف". فبعد أوائل اللغويين كأبي زكرياء حيوج وابن لبراط وابن شبروط، يضع أبو الوليد مروان بن جناح، أول كتاب في النحو كامل، هو كتاب "التنقيح" وهو جزءان، جزء خاص بالتركيب، وسماه "اللمع"، وجزء خاص باللغة والمعجم سماه "الأصول". ووضع بعده أبو إبراهيم إسحاق بن برون كتابه "الموازنة بين اللغتين العبرانية والعربية". ولابن قريش رسالة إلى يهود فاس، وفيها عقد مقارنة بين اللغة العبرانية والعربية والأمازيغية، ولغات غيرها قديمة.
كما ولع اليهود الأندلسيون بالشعر، وهم أول من نظم الأشعار الدنيوية على غرار الشعر العربي مضموناً وشكلاً، وهم أول من استعمل بحور الخليل في الشعر العبري. كما أن يهودت الحريزي شغف بفن المقامة، فبنى اسمه على صورة اسم الحرير، وترجم المقامات العربية، ثم وضع هو نفسه مقامات عنونها بتحكموني، أي الجلسات: المقامات، وتبعه بعد ذلك كثير من اليهود.

العبرية والعربية
يرى الدكتور أحمد شحلان أن كتاب "المحاضرة والمذاكرة" لمؤلفه اليهودي أبو هارون موسى بن يعقوب بن عزرا، نموذج جميل جداً للتناغم الفذ الذي عرفه الغرب الإسلامي بين الثقافات والأديان المختلفة. ويعرفنا بالمؤلف اليهودي فيذكر أنه ولد لعائلة يهودية غنية وعريقة بمدينة غرناطة بين السنوات 1055-1060 ميلادية، وأن تعليمه كان متنوعاً عارفاً بالتوراة والآداب اليهودية، وعارفاً بالعربية نصوصاً وتاريخاً. كما كان شديد الاهتمام بالفلسفة اليهودية والعربية، مطلعاً على المصادر اليونانية المتداولة بين الأندلسيين. وقد قضى ابن عزرا ردحاً من عمره في غرناطة إلى أن دخلها المرابطون، فهاجر منها كثير من العائلات اليهودية ومنها عائلته، إلاّ أن الرجل أُصيب بالاكتئاب وحب العزلة، وانتقل إلى إسبانيا المسيحية، وقضى بها أربعين سنة من عمره، متأسفاً على الماضي المجيد لغرناطة وغناها الثقافي والفكري والحضاري وحياته فيها، ولم يواس وحدته إلاّ شعره وبعض أصدقائه الشعراء مثل يهودا اللاوي أمير شعراء اليهود بالأندلس.
ويُعدّ كتاب "المحاضرة والمذاكرة" يتيمة في قلائد الأدب الأندلسي، فقد كان الشعر اليهودي القديم شعراً دينياً لا يتعدى نظمه تراتيل الابتهالات والصلوات، فجاء ابن عزرا وشعراء الأندلس بشعر مخالف لذلك في الموضوع والصورة واللغة والأسلوب. فهو شعر اختلطت فيه عناصر من الشعر العربي والتوراتي، وظهرت به مسحة عقلية لم تكن من قبل، ونهل من مناهل الحضارة والثقافة الجديدتين، واتخذ من قصور البلاغة والبيان العربيين ما جعل ابن عزرا وشعراء الأندلس يبدعون شعراً لم تعرفه اللغة العربية، ولا الثقافة اليهودية خلال كل تاريخهما المتقدم.
والكتاب وضعه ابن عزرا ليكون دليلاً للشاعر اليهودي الذي يريد أن يبدع أدباً غنياً مثل الأدب العربي، ولذلك سمى أهم فصوله "أمثل طريقة في صناعة القريض العبراني على القانون العربي"، ولذلك قال ابن عزرا أيضاً: "القصد بهذه الأوراق عرض المماثلة عليك من طريق الملتين، أعني العبرانية والعربية وموازنتها في أكثر الوجوه، وأن الواحدة تابعة للثانية، وآخذة منها في الشعر خاصة".

تبني الفكر الإسلامي
ويبرهن أحمد شحلان أيضاً على تأثر اليهود بالفكر الإسلامي وتبنيهم له في الأندلس وسيرهم وراءه خطوة خطوة، فقد كان سعديه كؤون ممثلا لتيار الفقهاء الأخبار، والمقابل للفقهاء المسلمين، لجمعه بين الدراسات اللغوية والفقهية والأصولية، واتباعه منهج علماء علم الكلام. وسار على المنوال نفسه ابن مروان المقمص المتأثر بالأفلاطونية العربية، وسلمون بن جبرول ويحيى بن يقودا. كما انعكس الفكر الظاهري في مؤلفات يوسف البصير وتلميذه يهوشوع بن يهودا، وتمثلت النزعة الصوفية الإسلامية في الأعمال الكثيرة القبالية. فهو "خط موازٍ لخط الفكر العربي: فقهاء وأصوليون ومتكلمون أفلاطونيون أرسطيون ورشديون ومناهضون للفلسفة، أو غزاليون وقباليون متصوفة".
كما استعرض شحلان في صفحات وافية نماذج للترجمات والمترجمين اليهود الذين نقلوا علوم العرب إلى أوروبا مثل أبراهام بن عزره صاحب ترجمة حي بن يقظان. وحدثنا أيضاً عن أدب الرحلات التي أنجزها اليهود أسوة بالرحالة العرب والمسلمين، كرحلة ابن يونة، أو بنيامين، الأندلسي التطيلي التي قطع فيها ثلاث قارات هي إفريقية وآسيا وأوروبا، وزار فيها (183) مدينة وموقعاً بدأها بمدينة سرقسطة وأنهاها بروميا.

الإحياء والإبادة
كتاب "التراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي" شهادة قوية على "التسامح الحق" الذي اتسمت به الحضارة العربية الإسلامية، وهي تتعارف مع الحضارات والثقافات والديانات التي التقت بها في مسيرتها التاريخية والجغرافية؛ إذ برهنت بالحجة البالغة أن الإسلام في طبعته النقية البهية كريم غاية الكرم، ومتسامح غاية التسامح، يهيمن فلا يضع حداً للمواريث الثقافية والدينية الأخرى، ولكن يستوعبها ويهضمها ويخرجها على يد أهلها إخراجاً جديداً. بل إن هذا الكتاب يرتفع إلى مستوى أعلى، فيعرض براهين أخرى على أن الديانة الإسلامية والثقافة العربية الممتزجة به، ساهمتا إلى حد كبير في حفظ وصيانة الثقافة اليهودية والمسيحية، بل أحيتهما بعد ركود وجمود وذبول، فكما يسري ماء الحياة ينابيع في الأرض، ثم يتسلل عبر البذور والجذور والأغصان، ليخرج نباتاً حياً باسقاً بهيجاً، كذلك فعلت الثقافة العربية الإسلامية حين عانقت التراث العبري في بلاد الأندلس الفريدة.
مثل هذا يحدث اليوم في أوروبا حين اعترف الكاثوليك والعلمانيون الفرنسيون بأن حضور الإسلام إلى القارة العتيقة كان هو السبب الخفي في تجديد المسيحية والعلمانية معاً بأسئلته المحرجة وسلوكه المبهر، وإحراجه للقوانين اللائيكية التي صيغت لغيره، فتحداها بصمته وسمته.
شيء ثالث يحدثنا عنه الكتاب من طرف خفي، وهو يشير إلى مزايدات اليوم، ومظاهر التزمت والتطرف لدى فئات من أهل الملل والنحل الدينية واللادينية، وهي تتقاتل بأسلحة اليوم، موظفة الخيال التاريخي والذاكرة المتوترة المريضة، وتفتح من كتاب التاريخ الصفحات السود فتشهرها، وتطوي الصفحات البيض فتخفيها، وتضخم المعارك الحربية وتشعل نارها، وتقزم المعارك الثقافية وتطفئ أنوارها. فالحضارة تبنيها الفكرة اللامعة والأخلاق الرفيعة والتسامح الحق، في حين تهدمها الفكرة الساقطة والأخلاق الهابطة والتعصب النزق.
وعند الانتهاء من قراءة كتاب "ّالتسامح الحق"، ينتصب السؤال الكبير، إن كانت الحضارة العربية الإسلامية المزدهرة ساهمت في حفظ وإحياء التراث العبري اليهودي أينما وجدته، فهل سلك اليهود والمسيحيون السلوك نفسه مع الملل والنحل الأخرى، خاصة دين الإسلام وحضارته، أم أرادوا إطفاء نوره بأفواههم الصغيرة، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق