الخميس، 26 يوليو 2012

العلاقات المغربية العثمانية أواخر القرن 18م -  خاليد طحطح

العلاقات المغربة العثمانية: من المواجهة والصراع إلى التعاون

بوفاة السلطان المغربي إسماعيل سنة1727م انتهت حقبة من العداء والحذر في علاقات المغرب الخارجية، خصوصا مع العثمانيين الأتراك، وبدأ التغير تدريجيا في سياسة البلدين من التوتر والمواجهة الى المهادنة والتعاون.

ويتجلى ذلك بداية في التبعية التامة التي أعلنها السلطان المولى عبد الله (1728/1757) للباب العالي، وذلك في رسالة تقول " وأنا أخطب بك في مساجد الجمعة والأعياد كما فعل والدنا مع أسلافكم الجياد، ولولا أن الغرب صعب المرام، لاستعملت أقدام الأقدام إلى حضرة ذلك الهمام، فهو جدير أن يجعلني من أحبائه، وأن يحمل علي من هذا الخطب عظيم أعبائه، ولبذلت المجهود والمقصود ".37

وإن كان هذا المقتطف يثير قضايا كبرى ومستعصية على الجواب...بين ما له علاقة بالجانب الواقعي الحقيقي في الرسالة وماله علاقة بالجانب الدبلوماسي.38

وباستثناء هذه الرسالة فإن فترة الأزمة السياسية تميزت عموما بانشغال العثمانيين بحروبهم مع روسيا وحلفاءها، والمغاربة بخلافاتهم حول السلطة.39

إلا أن العلاقات بين الدولتين المغربية والعثمانية شهدت انقلابا وتحولا في مسارها خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وذلك بعد تولي السلطان المولى محمد بن عبد الله (1757-1790) الحكم، حيث دشن قطيعة حقيقية مع الماضي، إذ نهج سياسة انفتاحية شاملة40، خصوصا مع الإمبراطورية العثمانية، فأصبح التضامن الإسلامي هو المؤطر الجديد للعلاقات المغربية العثمانية خلال هذه الفترة.41

 ترى ما هي الأسباب التي ساهمت في تغير نوعية العلاقات بين السلطتين ؟ وما هي الملامح الكبرى لهذه التحولات؟ والى أي مدى عكست هذه العلاقات الجديدة ضرورات المرحلة ؟ وماهي المشاكل التي وقفت في طريقها ؟ وكيف تعامل معها الطرفان المغربي والعثماني؟

 إن التحولات الكبرى التي عرفتها أوربا خلال أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر جعلت البلدين يحسان بالضعف والخطر نتيجة انقلاب ميزان القوى لصالح دار الحرب، وقد تجلى هذا التقارب في مستويات عديدة منها:

 أولا: ازدهار الدبلوماسية المغربية والسفارات في اتجاه الدول الأوربية 42، والتي اتخذت من موضوع تحرير أسرى المسلمين محركا أساسيا لها43، وهذا ما يفسر المبالغ المالية الكبيرة التي أنفقت عليها44، وكانت عملية افتداء الأسرى عامة شملت المغاربة وأسرى رعايا الدولة العثمانية، وقد أظهرت هذه الخطوة السلطان محمد بن عبد الله بمظهر المتضامن مع إخوانه في الدين، والساعي إلى خدمة الإسلام والمسلمين45.

 ثانيا: بداية التعاون العسكري بين الدولتين هو نتاج للظروف الصعبة التي كان يجتازها الطرفان في صراعهما مع دار الحرب، ففي المغرب كان سيدي محمد بن عبد الله قد أعلن الجهاد من أجل تحرير بعض الثغور المحتلة... أما الدولة العثمانية فقد دخلت منذ 1768م في حرب مع روسيا46، وقد تمثل هذا التعاون في إرسال المغرب للعتاد الحربي للعثمانيين والعكس47، وكان ذلك يدخل في إطار باب الجهاد وتحرير الثغور.48

 ثالثا: تقديم المساعدات المالية التي كانت تدخل ضمن نصرة القضية الكبرى وهي التصدي للخطر المسيحي ضد الدولة الإسلامية49، وافتداء الأسرى من رعايا الدولة العثمانية50، فقد أرسل المولى محمد بن عبد الله أموالا كثيرة للباب العالي أظهر بها مشاركته في الجهاد، وأنه يمكن أن يعول عليه أكثر من داي الجزائر الذي لم يستطع تقديم أي شيء51.

 رابعا: الدعم اليبلوماسي: والذي يتجلى في توزيع السلطان محمد بن عبد الله منشورات على القنصليات الأجنبية بالمغرب سنة 1788م، توضح موقف المغرب من الروس والنمساويين أعداء العثمانيين.52

 خامسا: الدعم المعنوي والروحي والذي تجلى في إقرار السلطان المغربي تعميم الدعاء للسلطان العثماني يوم الجمعة بالنصر على أعدائه الروس53، وهكذا تشير المصادر المغربية إلى أن صلوات الجمعة في المغرب خلال هذه المرحلة كانت تعقبها دعوة( اللهم انصر السلطان عبد الحميد(1774/1789) وجنوده....وكن معه حيث يكون، واستعمله بطاعتك في كل حركة وسكون...وانزل السكينة على المسلمين، واجمع كلمتهم حتى يكونوا على عدوهم)54.

 وكان أيضا من بين الحسابات التي تحكمت في سياسة السلطان محمد بن عبد الله محاولته كسب الباب العالي ليمارس ضغطه على أتباعه في ديوان الجزائر، نظرا للمشاكل التي ظل هؤلاء يثيرونها ملحقين بذلك اضرارا جسيمة بمصالح السلطان ومخططاته السياسية والاقتصادية.

 ولذلك فقد احتل موضوع أتراك الجزائر خلال هذه الفترة جزءا كبيرا في العلاقات المغربية العثمانية، ويؤكد ذلك كثرة المراسلات المغربية بشأن هذا الموضوع إلى الباب العالي، ومنها سفارة ابن عثمان المكناسي التي كانت تدخل في إطار الحرب الدبلوماسية ضد أتراك الجزائر، بغية استمالة الباب العالي وتشويه صورة الداي وديوانه...بإظهار إهمالهم لأسراهم وتقاعسهم عن الجهاد..ومن هنا نفهم افتكاك محمد بن عبد الله لأعداد كبيرة من أسرى الجزائر وإرسالهم إلى القسطنطينية 55.

 وقد نجحت مساعي السلطان المغربي نسبيا في تحقيق هذا الهدف، وهو ما يمكن أن نفسر به عتاب الباب العالي لوالي الجزائر على عدم قبول شفاعة السلطان المغربي في فك الأسيرتين الاسبانيتين( زوجة وابنة الحاكم الاسباني للمرسى الكبير)، وهو الذي افتدى مئات من أسرى الجزائر، وقد كان الملك الاسباني كارلوس الثالث طلب من السلطان المغربي التدخل عند الداي الجزائري لفك سراح بعض الأسرى ومنهم الأسيرتين المذكورتين56.

 وإذا كانت العلاقات المغربية العثمانية قد شهدت تحسنا كبيرا خلال هذه الفترة، وهو الشيء الذي يمكن أن نفسر به كثرة السفارات بين البلدين، فإنه على العكس تماما من ذلك بالنسبة للايالة الجزائرية، فالصراع استمر ولم ينقطع، مما يجعلنا نتساءل عن مدى خضوع هذه الايالة لأوامر الباب العالي خلال هذه الفترة تحديدا ؟ والى أي حد كان هذا الصراع المحلي يؤثر في الفكرة الجديدة للتعاون المغربي العثماني ؟

 لقد تسبب الأتراك في مشاكل كثيرة للسلطان المغربي سواء في علاقاته مع الباب العالي أو في علاقاته مع الدول الأوربية خصوصا اسبانيا التي عقد معها معاهدة الصلح والتجارة، فقد كانت القرصنة البحرية الجزائرية ضد السفن الأجنبية في السواحل المغربية تحرج المغرب مع اسبانيا، وتهدد العلاقة السلمية بينهما.

 كما أن داي الجزائر تراجع عن اتفاقه مع السلطان بشأن العملية المشتركة ضد الثغور المحتلة بكل من المغرب والجزائر، مما أظهر الداي بمظهر الخائن والمتقاعس عن الجهاد57.

 وبعد استرجاع المغرب للجديدة ودعوة السلطان للجهاد، والتأثير الإيجابي لعملية تحرير الأسرى الجزائريين من طرف السلطان، جعلته يحضى بشعبية واسعة وبتعاطف وولاء ساكنتها الذين أبدوا حماسا كبيرا للمشاركة إلى جانب المغرب في الجهاد ضد الوجود الاسباني بالسواحل المتوسطية، وقد راسلوه كثيرا للتدخل في الايالة الجزائرية، ولولا احترام السلطان المغربي وتقديره للعثمانيين لأخذ ايالة الجزائر58.

 وقد بقي السلطان محمد بن عبد الله رغم مشاكل الايالة الجزائرية وفيا لعلاقات الود والاحترام التي ربطها مع الباب العالي إلى آخر أيامه.

 أما في عهد المولى سليمان(1792/1822) فقد شهدت هذه العلاقات نوعا من التراجع في مجال التعاون، ربما بسبب سياسة الاحتراز والانغلاق التي سلكها هذا الأخير في علاقاته الخارجية.

 فقد طلب الباب العالي من المولى سليمان الانضمام إليه لمحاربة فرنسا59، حيث بعث له رسالة تؤكد على أواصر الدين والرابطة الإسلامية التي تجمعه بالسلطان المولى سليمان (..أخانا في الله وصنونا في دين محمد بن عبد الله )60، ولم يكن هناك تجاوبا ايجابيا للسلطان المغربي مع مطلب الحكومة العثمانية، وذلك حرصا منه على موقف الحياد الذي نهجه اتجاه الخلافات الدولية.

 وخلال فترة القرن التاسع عشر، ارتكزت العلاقات المغربية العثمانية على فكرة الإصلاح والتعاون خصوصا في مجال الخبرة العسكرية، ففكرة تحديث الجيش التي شرع فيها السلطان عبد الرحمان ابن هشام (1859/1822) وابنه محمد (1859/1873).. قد تمت بمساعدة تركية، كما أن مسالة التعاون تحكمت فيها ظرفية الصراع الدولي.61

 وقد تطورت فكرة التعاون بعد ذلك بين الإمبراطورية العثمانية والدولة المغربية، حيث أصبح الحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر وخصوصا بعد انهزام العثمانيين أمام الروس يتجه إلى تقوية التعاون ضمن خطاب التضامن الإسلامي، أو ما اصطلح عليه مفهوم الجامعة الإسلامية المبكرة وذلك في عهد عبد الحميد الثاني (1876/1908).62

 ويبدو أن النية والرغبة في التعاون وتطوير العلاقات بما ينفع مصلحة دار الإسلام كانت صادقة بين الطرفين، إلا أن الظروف الدولية حالت دون تحقيق ذلك.63

 وكخلاصة لهذا الموضوع فان العلاقات بين المغرب والدولة العثمانية تحكمت فيها إلى درجة كبيرة الثقافة الدبلوماسية، التي من خلالها يمكن استيعاب مظاهر الصراع والخلاف وأيضا التعاون في هذه العلاقات.

 فالفرضية القائمة على تأكيد البعد الإسلامي في علاقة البلدين دار إسلام دار إسلام، والفرضية الأخرى التي تعتبر أن هذه العلاقات لا تختلف مبدئيا عن العلاقات بين الدول الأخرى فيما بينها لم تستطيعا استيعاب الخلافات القوية والصراعات الطويلة وكذا مظاهر التعاون التي عرفها الطرفان.

 فإذا كانت الدولتان المغربية والعثمانية تقتسمان مفاهيم مركزية مشتركة في ثقافتهما فإن دخول عناصر أخرى على الخط مثل صورة الآخر، وضرورات المرحلة، وطموحات الوطن، تساعدنا على إعطاء تفسير ومعنى لفترات التعاون وكذلك لبعض أنواع الصراع التي ظلت غير مفهومة.64

الهوامش:

37- مصطفى الغاشي ("الرحلة المغربية والشرق العثماني، محاولة في بناء الصورة" أطروحة لنيل درجة الدكتورة في التاريخ الحديث، الرباط،كلية الآداب والعلوم الإنسانية 2001/2002، مقرونة، ص 76.

38-       عبد الرحيم الموذن ( الحوليات والأزمات السلطانية ( 1727-1757) مصطلح الفترة، مأخود من الاسطوغرافيا والأزمة، دراسات في كتابة التاريخ والثقافة، انجاز الجمعية المغربية للبحث التاريخي، الطبعة الأولى، 1994منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم34، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 113.

39-       مصطفى الغاشي ( الرحلة المغربية والشرق العثماني، محاولة في بناء الصورة...) م.س ص 79.

40-       محمد بوكبوط ( إحراز المعلي والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب لمحمد بن عبد الوهاب المكناسي ) تحقيق وتعليق ودراسة لنيل أطروحة دكتوراه الدولة في الآداب تخصص تاريخ، إشراف د محمد بنعبود جامعة عبد الملك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية تطوان، 200/2001 مرقونة، ص 9

41-       الغاشي ( الرحلة المغربية......) م.س.ص 78.

42-       عبد الرحيم بنحادة، ( المغرب والباب العالي من منتصف القرن السدس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر ) أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ الحديث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراس، فاس، مرقونة، ص279

43-       بوكبوط ( إحراز المعلي والرقيب................) م.س. ص 6./ عبد المجيد قدوري (المغرب وأوربا.....) م.س.ص.220.

44-       نفسه، ص، 6.

45-       نفسه ص6

46-       بنحادة ( المغرب والباب العالي من...............) م.س. ص 6

47-       الغاشي ( الرحلة المغربية............) م.س ص 81.

48-       المرجع أعلاه، ص81.

49-       نفسه، ص81.

50-       نفسه.ص 81

51-       بنحادة ( المغرب والباب....................) م.س.ص 295

52-       الغاشي ( الرحلة المغربية والشرق العثماني..).م.س.ص.82.

53-       الغاشي ص 83 / بنحادة ص290

54-       بنحادة ( المغرب والباب العالي من.........) م.س.ص290

55-       بوكبوط ( إحراز المعلي...................) م.س. ص25

56-       نفسه.ص 12.

57-       نفسه ص9

58-       نفسه ص 17

59-       عبد الحفيظ حمان ( المغرب والثورة الفرنسية )، سلسلة شرفات، العدد 9، منشورات الزمن مطبعة النجاح،الجديدة، الدار البيضاء 1994، ص 87.

60-       نفسه.ص 88.

61-       علال الخديمي ( العلاقات المغربية العثمانية خلال بداية القرن العشرين) منشور ب (المغارب في العهد العثماني ) سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41 الطبعة الأولى 1995، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، تنسيق عبد الرحمان المودن ص25.

62-       ABDERAHMAN EL MOUDEN.( LES RELATIONS MAROCO –OTTOMANES QUELQUES GRANDSTRAITS DUN CULTURE DIPLOMATIQUE) (المغارب في العهد العثماني ) سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41 الطبعة الأولى 1995، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، تنسيق عبد الرحمان المودن ص 13

63-       علال الخديمي ( العلاقات المغربية العثمانية خلال بداية القرن العشرين) منشور ب ( المغارب في العهد العثماني) سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41 الطبعة الأولى 1995، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، تنسيق عبد الرحمان المودن ص53

64-       ABDERAHMAN EL MOUDEN.( LES RELATIONS MAROCO –OTTOMANES QUELQUES GRANDSTRAITS DUN CULTURE DIPLOMATIQUE) (المغارب في العهد العثماني ) سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41 الطبعة الأولى 1995، منشورات كلية الآداب والعلوم

الإنسانية بالرباط، تنسيق عبد الرحمان المودن ص 13.

بقلم الأستاذ: خاليد فؤاد طحطح

tahtah_75@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق