الجمعة، 26 أكتوبر 2012


اشتغل مشروع حسن حنفي الفكري منذ بدايته وحتى نهايته، على ثلاث جبهات رئيسية في وقت واحد هي: "الموقف من التراث القديم"، و"الموقف من الواقع"، و"الموقف من التراث الغربي". وكتابه الأخير "من الفناء إلى البقاء: محاولة لإعادة بناء علوم التصوف"، ينتمي مباشرة إلى جبهة "الموقف من التراث القديم". لكن يصح اعتباره كذلك، وإن بطريقة غير مباشرة، متصلا بجبهة: "الموقف من الواقع" وجبهة "الموقف من التراث الغربي". وإذا كان المؤلف في محاولاته الثلاثة السابقة على هذه المحاولة، قد اهتم بإعادة بناء علم أصول الدين، وعلوم الحكمة، وعلم أصول الفقه، فإنه يركز جهوده واهتماماته في هذه المحاولة الرابعة والأخيرة، على إعادة بناء علوم التصوف. وبهذه المحاولة، يكون مشروع حسن حنفي نحو إعادة بناء العلوم النقلية العقلية الأربعة، قد اكتمل وتم إنجازه بالكامل. وقد سبق أن نشرنا الجزء الأول من هذا الكتاب والذي يعرض فيه المؤلف للتصوف الموضوعي كتاريخ وكعلم. وننشر اليوم الجزء الثاني منه والذي يتناول التصوف الخلقي في الأخلاق وفي الرذائل والفضائل، والتصوف النفسي في المقامات والأحوال، والتصوف الفلسفي في التوحيد والنبوة والإنسان الكامل ووحدة الوجود، وأخيرا التصوف العملي في الطريقة وآداب الشيخ والمريد. وفي محاولته لإعادة بناء علوم التصوف، أسوة بسائر المحاولات الأخرى، لا يكتفي حسن حنفي بمجرد العرض التاريخي لهذه العلوم أو مجرد المسح الشامل لها. بل يحاول أيضا أن يقدم قراءة معاصرة وأن يصف الطريق التي ينبغي علينا أن نسلكها من خلالها. والطريق التي يقترحها علينا حسن حنفي ليست هي ذات الطريق التي سلكها القدماء من قبل ولكنها طريق جديدة تناسب حياة المحدثين والمعاصرين وتكاد أن تكون عكس الطريق القديمة تماما. فطريق حسن حنفي تبدأ من الثورة لا من العقيدة، ومن الإبداع لا من النقل، ومن الواقع لا من النص، وتستهدف تحقيق البقاء لا بلوغ الفناء. ويصف حسن حنفي بأسلوب مكثف وبليغ اشتهر به، معالم هذا الطريق، في نهاية عرضه التاريخي لكل موضوع من موضوعات التصوف، وأحيانا بين ثنايا هذا العرض. ويستعين في وصفه بالحكم والأمثال الشعبية بل وبالأغاني أيضا. وعلى سبيل المثال؛ وبعد أن يستعرض كل ما جاء في الكتابات الصوفية من أقوال مختلفة عن الفقر كلها سلبية وتستهدف تقريب الفقر إلى الناس وتحبيبهم فيه، نجده يختم بهذه الفقرة: (وليس الفقر صفة إيجابية بل صفة سلبية. فالله هو الغني وليس الفقير. ويعد الشيطان بالفقر. فالفقر ليس قيمة إرادية على الإطلاق بل هو وضع اجتماعي يتغير. وإذا كانت الصفات الإلهية نموذجا للحياة الخلقية فالله غني وليس فقيرا. والدعوة إلى الفقر لا توجه في مجتمع غالبيته فقراء بل إلى الأغنياء منهم. ولما كان التصوف ممارسات شعبية في الأحياء الفقيرة فإن الدعوة إلى الفقر تكون في غير مكان. وفي الأمثال الشعبية "الفقر حشمة والعز بهدلة" على عكس قول عمر الشهير "لو كان الفقر رجلا لقتلته"). ويعقب على موضوع الصبر قائلا: (ويغلب على الوجدان العربي المعاصر المغالاة في الصبر بدافع العجز والاستكانة وقبول الأمر الواقع لاستحالة البديل، وليس بالصبر الثوري القائم على الإعداد والجهد. وقد غذت الأمثال العامية والأغاني الشعبية الصبر في وجدان الناس. وعاشت دون أمثال أخرى مثل "الصبر مر" أو أغان أخرى مثل "للصبر حدود"). وفي مقاربته للفقد والوجد، نقرأ بين ثنايا المقاربة قوله: (والفقد في الوجدان العربي المعاصر أكثر حضورا من الوجد. فكل شىء يضيع، الوطن والناس والكرامة والضمير. وهناك إحساس عام بفقد ما وجد من قبل، وأن الأوطان على مشارف الانهيار التام.) أما تحليله للستر والتجلي وللتجريد والتفريد، فنجده ينتهي بهذه العبارات: (والوجدان العربي المعاصر أقرب إلى الستر منه إلى التجلي، وإلى الخفاء والمداراة منه إلى الكشف والظهور. الدولة تخفي أكثر مما تظهر، والمواطن يستر أكثر مما يكشف. ) ويقترن بالستر والتجلي التجريد والتفريد. (والوجدان العربي المعاصر أقرب إلى التجريد منه إلى التفريد. فقد أصبح فارغا صوريا خاويا. وضاعت الفردية وتم ابتلاعها في مجموعات قاهرة صغيرة مثل الأسرة وسلطة الأب أو الأم أو الأخ الأكبر أو المجتمع وسلطة التقاليد الموروثة أو النظام السياسي وسلطة نظم القهر أو التعليم القائمة على التلقين والنمطية وليس الإبداع والفردية.) أما عن البقاء والفناء، فالوجدان العربي المعاصر يغلب عليه (الإحساس بالفناء والعدم والموت مما جعل العالم يتسرب من بين أيدي المسلمين. وتوارى تراث "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا"، وبقي تراث "اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". وتحول الإسلام من دين لإثبات العالم إلى دين لنفيه كما هو الحال في الهندوكية والبوذية وبعض الديانات الشرقية التي تعتبر العالم عدما، وبعض الفلسفات الوجودية القريبة التي تجعل الوجود عدما، والعدم أصل الوجود.) ويؤمن حسن حنفي بأن التصوف كان تجربة أصيلة داخلية في الحياة الإسلامية حتى لو وجدنا فيه في بعض الأحيان إشارات إلى أفلاطون أو هرمس الحكيم. فالتصوف نشأ كحركة مقاومة سلبية لمظاهر البذخ والترف والتكالب على الدنيا والصراع على السلطة والاقتتال عليها. وفي ظروفنا الجديدة ومرحلتنا التاريخية المغايرة، يمكن ان يعود التصوف مرة أخرى ولكن كحركة مقاومة ثورية أو إيجابية. (ومن ثم تتغير المقامات والأحوال من الصبر والتوكل والرضا والقناعة والتسليم والخوف والخشية والفقد إلى مقامات وأحوال أخرى من مقاومة وتمرد وغضب وثورة واعتراض ونفي واحتجاج. وهذا هو القصد من من الفناء إلى البقاء.)



 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق