الأحد، 8 يونيو 2014



حول الكتاب

عندما صدرت المذكرات باللغة الإنجليزية عام 2006 أثارت بعض محتوياتها استغرابا. فعلى سبيل المثال علقت صحيفة واشنطن بوست بالقول: إن حاكم باكستان شخصية متناقضة: ديكتاتور على اقتناع بأنه أفضل أمل للديمقراطية، مسلم حداثي متردد في مواجهة المسلمين الأصوليين، ورجل قوي يشع ثقة بالنفس لكنه يشعر طوال حياته بقلة الأمان لكونه من عائلة مهاجرة (مدينة دلهي القديمة).
ويبدأ الكتاب بسلسلة من المفاجآت الصادمة. فأول ما يبدأ به الكاتب هو وصف محاولات الاغتيال التي تعرض إليها، ببعض الإسهاب والتفاصيل.
ولعل هذه من ضمن أفضل مقاطع الكتاب حيث إنها تنقل مشاعر الشخص في تلك اللحظات الصعبة. أما الصدمة الحقيقية فهي مواجهة القارئ بميل الكاتب إلى مديح الذات الذي ليس ثمة ما يسوغه، وسنعود إلى ذلك.
البنية
الباب الأول من الكتاب/السيرة الذاتية "في البدء"، ويضم خمسة فصول، وهو مخصص للحديث عن خلفية تقسيم شبه القارة الهندية وتأسيس دولة باكستان (أولا الشرقية والغربية، ومن ثم بنغلاديش وباكستان "أرض الطهارة") إلا أنه لا يمكن عد ذلك العرض تاريخيا، بل إنه سياسي بامتياز، ومن منظور واحد بكل تأكيد.
الباب الثاني من الكتاب "الحياة في الجيش"، وقد خصصه برويز مشرف للحديث عن حياته العسكرية بتفاصيل تبدو مثيرة، تعكس ولعه بتلك الحياة الصعبة وتنقل عن عمق انتماءه للمؤسسة العسكرية الباكستانية وارتباطه الروحي بها.
الباب الثالث "دراما الاختطاف"، وهو مخصص للحديث بتفاصيل مهمة عن صراع برويز مشرف مع رئيس الوزراء المخلوع نواز شريف عام 1999 الذي انتهى بسقوط الأخير بانقلاب عسكري (انقلاب مضاد).
"
مشرف ينهي كتابه ببضع صفحات تأملية بالقول: سوف نصبح بإذن الله، دولة إسلامية حيوية تقدمية معتدلة، وعضوًا نافعًا في المجتمع الدولي، دولة يحتذى بها لا دولة ينفر منها الآخرون
"هذا الباب كسابقه يعد من أكثر أجزاء المذكرات إثارة للقارئ حيث إنه يحوي تفاصيل مثيرة عما كان يدور في مقصورة الطائرة التي كانت تقل برويز مشرف عائدًا إلى بلاده، إذ يقال إن نواز شريف حاول منعها في الهبوط، وكذلك تفاصيل عن الأحداث التي قادت إلى انقلاب الأول على الثاني.
الباب الرابع وعنوانه "إعادة بناء الأمة" مخصص كما هو متوقع، لمآثر حاكم باكستان الجديد والخدمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية "الهائلة! التي لا مثيل لها في تاريخ باكستان!!!" التي قدمها لوطنه بعيد استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري.
الباب الخامس بعنوان "الحرب على الإرهاب"، وقد خصصه الكاتب للحديث بإسهاب عما يسمى الحرب على الإرهاب وإسهام باكستان فيها، إضافة إلى تفاصيل متعلقة باعتقال بعض زعماء القاعدة ومجموعات إسلامية مسلحة.
كما يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن تأسيس جماعة طالبان وكيفية تمكنها من الاستيلاء على السلطة في أفغانستان وأدوار الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وبلاده في ذلك الأمر.
ويتطرق ببعض التفصيل إلى قضية عالم الذرة الباكستاني عبد القدير خان الذي يعد بطلاً في باكستان وغيرها من دول العالم الإسلامي.
أما الباب السادس "باكستان.. الداخل والخارج" فهو مخصص لرؤية الرئيس الباكستاني لبلاده ودورها المحلي والإقليمي والعالمي، في عالم متغير مليء بالأخطار والألغام، حيث يطرح تصوراته لشكل باكستان في ما يشبه البيان الحزبي.
وينهي المؤلف كتابه ببضع صفحات تأملية قائلا: سوف نصبح بإذن الله دولة إسلامية حيوية تقدمية معتدلة، وعضوًا نافعًا في المجتمع الدولي، دولة يحتذى بها، لا دولة ينفر منها الآخرون.
ملاحظات أساسية
لقد تراكمت لدينا خلال قراءة الكتاب مجموعة من الملاحظات السلبية والإيجابية، من الضروري نقل أهمها لقارئ هذه الأسطر:
* يميل الكاتب إلى المبالغة غير المقبولة إطلاقًا في مديح الذات الذي يكاد يلامس النرجسية. ومن تلك الأقوال غير المستحبة، بل المنفرة، التي لاحظها مراجعون غيرنا: "ص 11: وعلى دوري في تشكيل هذه الدولة" (كان عمره عند تأسيس باكستان خمس سنوات), "ص 16: وهكذا طغت أخباري (محاولة نواز شريف منعه من العودة إلى بلاده) على مباراة البولو وصدام حسين، على الأقل في باكستان"، "ص 20 : لذا فإن السيرة التي تلي ليست سيرة حياة رجل وحسب، بل سيرة حياة باكستان أيضًا"، "ص 27: ساعدتني سرعة بديهتي"، "ص 33: أصبحنا نتحدث التركية بطلاقة لدرجة أن أصدقاءنا الأتراك الجدد لم يعرفوا أننا أجانب", "كنا بارعين في الحسابات الذهنية.. كنت أحصل على أفضل الدرجات في الرياضيات والجغرافيا"، "ص 34: كنت طفلاً متفوقًا.. أصبحت أتمتع بشعبية في الجوار"، "ص 35: وحتى في تلك السن كنت أتفوق في التخطيط".. إلخ.
* مثل العديد من حكام العرب والمسلمين لا ينسى تأكيد انحداره من سلالة النبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم).
* قوله في ص 46 يوحي باقتناعه بوجود تناقض بين التدين الإسلامي والحداثة.
"
المؤلف يميل إلى المبالغة غير المقبولة في مديح الذات الذي يكاد يلامس النرجسية, ومثل العديد من حكام العرب والمسلمين لا ينسى تأكيد انحداره من سلالة النبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم)

"
* موقفه من مسألة انفصال باكستان الشرقية مثير للانتباه حيث إنه يلقي باللوم على كاهل رئيس الوزراء الباكستاني المغدور ذو الفقار علي بوتو. ولكن إذا أخذنا ملاحظاتنا النقدية للأداء السياسي الذاتي في تلك الأزمة يبدو لنا أنه يحاول تسويغ الهزيمة المروعة التي ألحقتها الهند بباكستان في تلك الحرب وتبرئة الجيش من المسؤولية.
* كثيرًا ما يشير الكاتب إلى الهند بكلمات وتعليقات ساخرة (مثلاً ص 89، وهو أسلوب منفر، يتجاهل حقيقة تحولها إلى دولة صناعية عظمى).
* لا ينتقد انقلاب ضياء الحق على ذو الفقار علي بوتو وقتله.
* يمر بشكل عابر على حادث اغتيال الرئيس الباكستاني ضياء الحق، ولا يصرح بشكوكه (ص 94)، مع أن الدلائل تشير إلى تورط وكالة الاستخبارات الأميركية في ذلك.
* يتحدث بإيجابية عن تدخلات العسكر في السياسة مع أنه يورد تسويغًا مقنعًا لذلك وهو إدخالهم هم الجيش في صراعاتهم السياسية، ولا ينتقد موقف نواز شريف من الإطاحة برئيسة الوزراء حينذاك بينظير بوتو (1996).
* سرده التفصيلي عن معركة كارغيل (الفصل 11) أثار جدلاً كبيرًا في أوساط أهل الاختصاص حيث عدّت تلك المعركة (1999) هزيمة سياسية وعسكرية لباكستان، وعلى عكس رأيه الذي يجزم بأنها كانت انتصارًا مدويًا. بعدها بقليل أطاح برويز مشرف برئيس الوزراء نواز شريف الذي عده في المذكرات/السيرة، مسؤولاً عنها.
* يقدم تعريفًا إيجابيًا مثيرًا، للديمقراطية "ص 207: أعتقد اعتقادًا جازمًا أنه ليس في العالم بلد يستطيع أن يتقدم من دون نظام ديمقراطي، ولكن الديمقراطية لا بد من أن تقد على البيئة الخاصة لكل أمة من الأمم".
* تعامله النقدي مع مرحلة ولادة باكستان مهم وإيجابي من رئيس دولة ما زال في موقعه.
* تسويغه لدعم طالبان غير مقنع إطلاقًا، خصوصًا بعد الانقلاب عليهم، وهنا تنطبق المقولة المأثورة: من السهل أن يكون المرء حكيمًا بعد فوات الأوان.
* هل حقًا أن تفجير التمثالين البوذيين في أفغانستان هو من أسوأ ما فعلته طالبان في أفغانستان؟!
* أكثر مايدهش في الكتاب تحليلات مؤلفه للصراع العربي الإسرائيلي، وموقفه من إسرائيل ودفاعه عن تأييده البدء في الاعتراف بها واللقاء مع زعمائها والادعاء بأن شارون بدأ اتخاذ موقف إيجابي من القضية الفلسطينية.
"
أكثر مايدهش في الكتاب تحليلات مؤلفه للصراع العربي الإسرائيلي، وموقفه من إسرائيل ودفاعه عن تأييده البدء في الاعتراف بها واللقاء مع زعمائها والادعاء بأن شارون بدأ اتخاذ موقف إيجابي من القضية الفلسطينية
"* لاحظنا أن الترجمة العربية تنقل على لسان برويز مشرف قوله "لم تكن لي خبرة كبيرة في وضع السياسة الاقتصادية".
ومع أن ذلك الادعاء ينسجم تمامًا مع أسلوب المبالغة في تعظيم الذات الذي تكرر على نحو ممل في السيرة، إلا أننا لم نقتنع بأنه ادعى أيضًا بأنه خبير اقتصادي.
والحقيقة أن النص الإنجليزي الأصلي يورد عن المؤلف قوله عن نفسه إنه "مبتدئ في الاقتصاد"، وهو ما يقودنا إلى إبداء استغرابنا من عدم احتواء النسخة العربية على اسم المترجم.
تكمن أهمية هذه السيرة الذاتية في أنها تفيد القارئ والمراقب السياسي تعرف شخصية الرئيس الباكستاني وأحداث أساسية مرت بها تلك البلاد، وربما أيضًا ما ينتظرها مستقبلاً.

رابط التحميل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق