الجمعة، 22 مارس 2013


المجتمع والسلطة وامتداداتهما في الصحراء
جنوب المغرب خلال العصر المرابطي وما بعده

الدكتور هاشم العلوي القاسمي
                                                جامعة محمد بن عبد الله
                                                            كلية الآداب - فاس

تاريخ المجتمع الإسلامي في منطقة الغرب الإسلامي خلال النصف الأول من القرن 6 ﻫ يتطلب الاعتماد على المصادر التي تناولت الحياة اليومية في المنطقة. والبحث عن هذا الجانب في المصادر المتداولة عملية صعبة جدا ومن هنا يفرض العمل العودة إلى نوع مغمور من المصادر، وهي مصادر التشريع والمؤلفات القانونية التي تعرف في العالم الإسلامي بكتب النوازل (الفتاوى)، وهي أساسا  عبارة عن آراء فقهاء المرحلة التاريخية التي سنعالجها في القضايا المطروحة عليهم من أجل إبداء الحكم الشرعي فيها سواء كانت أحوالا شخصية أي قضايا اجتماعية أو غيرها أو كانت معاملات تجارية أو زراعية أو غير ذلك؛ بمعنى أن مادة التاريخ الاجتماعي في العالم الإسلامي ومن ضمنه منطقة "الغرب الإسلامي" تحتضنها وتتضمنها مؤلفات الفقهاء سواء كانت"كتب أحكام" أو "كتب نوازل" التي تعالج في مجموعها العام أحكام الشريعة الإسلامية ونظام الحياة اليومية وآراء الفقهاء والنخبة العلمية في حل القضايا الاجتماعية اليومية على تنوعها واختلافها من البادية إلى المدينة.

هذه المصادر يمكن أن نختار من بينها في مرحلتنا التاريخية مصدرين:
أولاً: نوازل ابن رشد الجد([1]) المتوفى سنة 520 ﻫ في عهد علي بن يوسف بن تاشفين، وكان قاضي  الجماعة بقرطبة. وليس معنى هذا أننا نعتمد على نوازل أندلسية لنحلل مجتمعا إفريقيا بل يتضمن قضايا المجتمع كله في منطقة الغرب الإسلامي من عواصم الأندلس الكبرى ومن عواصم إفريقيا الغربية آنذاك (أي لم تصله النوازل من السنغال أو من مناجم الذهب...ولكن وصلته أسئلة من التجار المغاربة بالأندلس والمغرب والصحراء الإفريقية) بمعنى نجد أسئلة وأجوبة تهم الحياة التجارية والعلاقات بين الحوض الغربي للأبيض المتوسط ومناطق ما وراء الصحراء، مع العلم أن هناك تفاصيل خاصة بسكان المدن أكثر من غيرهم.
ثانياً: نوازل القاضي عياض السبتي اليحصبي المتوفى سنة 554 ﻫ والتي وصلتنا برواية ولده عبد الله([2]).
أما قراءة التاريخ الاجتماعي للغرب الإسلامي في النصف الأول من القرن 6 ﻫ لا تعتمد فقط على هذين المصدرين لإصدار الأحكام وإنما لإعطاء بعض الأضواء على الواقع. إذا كيف كان هذا الواقع خلال المرحلة المحددة بالاعتماد أيضا على المصادر الأخرى أندلسية ومغربية؟.
الجواب على هذا السؤال يجعلنا نصنف المنطقة إلى ثلاثة أقاليم كبرى:

أ - إقليم شبه جزيرة إيبريا-الأندلس: بمعناها العام ونقصد هنا إدراج الجزر التي ما زالت في هذه المرحلة التاريخية إسلامية مثل جزر البليار.
ب - إقليم المناطق الشمالية من بلاد المغرب الكبير: أي من شمال الأطلس الكبير إلى البحر الأبيض المتوسط (الأطلس الصغير والكبير والمتوسط والسهول) ومن المحيط غربا إلى برقة شرقا، وهذا الإقليم هو الذي كان يعرف عند مؤرخي وجغرافيي العصور الوسطى ببلاد البربر، وفي هذه المرحلة - منتصفالقرن 6 ﻫ - نلاحظ في المنطقة حدوث تحولات ذات نكهة جديدة في الأوضاع الاجتماعية لم تسبقها أية ظاهرة أخرى من قبل. يمكن تلخيص وصف هذه المرحلة اجتماعيا في هذه المنطقة وفي هذا التاريخ بالذات بأنها شهدت تغيرات في تاريخها الاجتماعي العام لعدة مؤثرات منها: الحركة القبلية المتعددة العناصر والتي كانت لها اتجاهات وأهداف مختلفة. ومنها ظروف الطبيعة والبيئة ومقدار تحكمها في حياة مجتمع بلاد المغرب.
ج - إقليم الصحراء: هذا الإقليم يكاد يكون تحديده وهميا. قد ينتهي جنوبا إلى خط عرض 10 شمال خط الاستواء ويمتد من المحيط غربا إلى وادي النيل شرقا. هذا الإقليم بالذات له تاريخ يمتاز بخصوصيته الصحراوية الإفريقية التي تتجاذبه أوضاع شمال بلاد المغرب وفي الجنوب وقائع بلاد السودان الغربي. وقد شهد بدوره في هذه المرحلة التاريخية واقعا اجتماعيا متخلخلا يعبر بدوره عن الظاهرة العامة الشاملة في الغرب الإسلامي وهي دخول المنطقة في هذا التاريخ بالذات في تحول جديد في البنية القبلية والتركيب السياسي والنشاط التجاري والاقتصادي([3]).
إذا حددنا هذه الأقاليم على أساس تنوع البنيات الاجتماعية وارتباطها بالظروف المناخية والطبيعية العامة ينبغي علينا طرح السؤال من جديد، ما هي بنية ومكونات مجتمعات هذه الأقاليم الثلاث؟


أولاًمجتمع الأندلس من منتصف القرن 5 ﻫ إلى أواسط القرن 6 ﻫ.
حظي المجتمع الأندلسي في العصور الإسلامية بدراسات جادة، نذكر من بينها أعمال الإسبانيين خاصة المؤرخ بيدال في موسوعته المعنونة بـ: "تاريخ إسبانيا الإسلامية"، الذي اهتم خاصة بالقسم الجنوبي من شبه جزيرة إيبريا. ويضاف إليه مؤرخان هما هويثي ميراندا في عمله الهام عن تاريخ الإمبراطورية الموحدية. وكذلك شالميطا في دراسته عن نظام الأسواق في الأندلس الإسلامية([4]). ثم هناك أعمال المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال وخاصة منها "تاريخ إسبانيا المسلمة"، بالإضافة إلى كتابه الهام عن "إسبانيا المسلمة في القرن 10 م" وكذلك عمل كيشار في تحليله لبنية التاريخ الداخلي للأندلس. وهناك أعمال أخرى عربية تناولت تاريخ الأندلس من الزاوية الاجتماعية ولكن لم تتناولها بطريقة شمولية وإنما بطريقة مونوغرافية. وهناك أيضا مصادر يمكن أن نسميها المكتبة الأندلسية القديمة. من خلال كل ذلك يمكن أن نعطي صورة مختصرة عن طبيعة المجتمع الأندلسي في هذه المرحلة وذلك كالآتي:

من حيث الصورة الخارجية التي نجدها في مصادر التاريخ الأندلسي نجد طابعين هما:

1 - مجتمع السلطة الإسلامية وهذا المجتمع هو الذي عبرت عنه المصادر المكتوبة بالعربية في المرحلة التاريخية المعنية.
2 - مجتمع المحكومين غير المسلمين أحيانا، وأحيانا أخرى العناصر التي استقرت نهائيا في الأندلس بعد هجرتها مع الفاتحين العرب من المشرق أو من المغرب الذي سمي ببلاد البربر.

معنى هذا أن بنية المجتمع الأندلسي تنقسم إلى قسمين: مجتمع السلطة وما ارتبط بفلكها ونظام حياتها، وهذا المجتمع هو الذي كون إما دولة الأسرة الأموية سواء في عهد الإمارة في الأندلس، أي من سنة 138 ﻫ إلى 316 ﻫ، أو عهد الخلافة من سنة 316 إلى 422 ﻫ.
وسواء أيضا في عهد ملوك الطوائف من 422 ﻫ إلى بداية الحكم المرابطي في الأندلس في نهاية القرن 5 ﻫ. ويمكن أن تسمى هذه المرحلة 316-422 ﻫ إلى معركة الزلاقة 479 ﻫ بعصر ملوك الطوائف الأول. وبعد ذلك ابتدأ العصر المرابطي في الأندلس من 480 إلى 536 ﻫ، حيث سيبدأ عصر يمكن أن نسميه بعصر الطوائف الثاني والذي سينتهي بالتدخل الموحدي بالأندلس ابتداء من 548 ﻫ. خلال هذه المرحلة كان المجتمع الأندلسي يتكون من عناصر اجتماعية مرتبطة بالحكام وعناصر أخرى مستقلة، وقد أمدتنا بهذه الصورة المكتبة الأندلسية الوسيطية العربية بالخصوص. ويمكن أن نوضح هذه التركيبة الاجتماعية بالشكل الآتي:

أولاً: مجتمع الحاكمين؛ كانوا ينتمون إلى الفئات العرقية التي كان لها نفوذ سياسي في الأندلس خلال المراحل التاريخية المحددة كرونولوجيا (أعلاه)، وهؤلاء كانوا لا يعطون للعامل العرقي أي اهتمام بقدر ما يُقَوْلِبُونَ أنفسهم في القالب الإسلامي على أساس التطور الذي حصل في مفهوم الحكم في الأندلس خلال القرون التي امتدت من الفتح الإسلامي إلى مرحلتنا التاريخية المذكورة. وبطبيعة الحال سيكونون من أصول إما عربية استوطنت المنطقة مع هجرة الفتح، أو كانوا من جنود الفتح نفسه رغم أنهم ظلوا يحملون في ذهنيتهم النعرات القبلية التي كانت تتحكم في علاقاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية (الصراع بين العرب القيسية والعرب اليمنية). وكذلك هناك إلى جانب هذا القسم من مجتمع الحاكمين طائفة من ذوي الأصل البربري وأحيانا من غير الأصل البربري المغربي من المستعربين ومن المولدين، أي الذين كانت لهم أصول عرقية مرتبطة بشبه جزيرة إيبريا إما من الذين تشبعوا بالحضارة الرومانية والقوطية (أي البنية الحضارية المرومنة) وإما استجلبوا من مناطق أخرى ودخلوا في خدمة الحكام وأصبح لهم شأن تاريخي في مجتمع الأندلس مثل وصفاء البلاط الأندلسي الأموي وغيره وخاصة منهم العنصر الصقلبي. هؤلاء أو هذه العناصر تكون بنية اجتماعية واحدة وهم الذين عبرت عنهم المصادر التاريخية الأندلسية المكتوبة([5]) سواء كانوا ذكورا أو إناثا، تحدثت عنهم بين التاريخ السياسي للمنطقة أو العسكري أو تم الحديث عنهم في الأدب الشعري والمرسل. وهذا يعني في مجموعه أن تاريخ الأندلس في المصادر القديمة من الناحية الاجتماعية لا يتناول إلا البناء الفوقي للحياة الأندلسية، وبعبارة أخرى، كانت الصورة السطحية هي البارزة في هذا البناء المجتمعي. وفعلا الصورة المستخلصة هي صورة جمالية نخبوية وليست صورة حقيقية للكيان الاجتماعي الذي يحتضنه القسم الثاني من مجتمع الأندلس وهو:

ثانيا: مجتمع المحكومين؛ يندرج في هذا القسم أو في هذا الإطار كل عناصر المجتمع التي لا تمارس السلطة والحكم، وإنما تقبل أوامر السلطة في المستوى التطبيقي.
وبالنظر إلى الأندلس في العصور الوسطى عامة ومنتصف القرن 6 ﻫ خاصة، يمكن أن نميز في مجموعة هؤلاء المحكومين عدة عناصر منها:

1 - المسلمون المستوطنون في الأندلس سواء هاجروا من المشرق أو من بلاد المغرب أو كانوا من أصل أندلسي ودخلوا في الإسلام. وهؤلاء هم الذين يحملون اسم "الأندلسيين" وفي الأبحاث التي أجريت على هؤلاء من خلال المصادر الأندلسية (Dominique aurvoix et Pierre guichard) في عمليهما اللذين يبرزان البنية الداخلية لمجتمع الأندلس المسلمة ويصلان إلى نتيجة أساسية هي أن انفجار منطقة الأندلس ضد المسلمين جاء من داخل الأندلس نفسها. وهذا رأي رغم ما يحمل من شحنات مضادة، إلا أن المنهج المتبع في التحليل هو المعتبر عندنا، ومن خلال كل ذلك يتبين أن مجتمع المحكومين رغم أنه يخضع لتقسيم آخر في المصادر وهو جماعة الخاصة وجماعة العامة، فإننا يمكن أن نميز في هؤلاء المحكومين الأصناف البشرية الآتية:

ð أهل بادية الأندلس ويتكونون من مسلمين وغير مسلمين؛ فالمسلمون عادة ما كانوا يستقرون إما في المناطق السهلية الخصبة أو في الحصون خاصة عند مناطق الثغور وهو ما كان يعرف في المصادر القديمة بأهل الثغر الأعلى وأهل الثغر الأدنى. وهؤلاء كانوا من الأجناد أو ما يمكن أن نسميه بالجنود الفلاحين، كونوا مماليك بعد ضعف الدولة الإسلامية في الأندلس ما لبثت أن تغيرت أوضاعهم حسب تبعيتهم للسلطة المركزية، وهم الذين تشير إليهم المصادر بمصطلح أو بكلمة "المُنْتَزُون" أي الثائرون في أقاليمهم. هؤلاء المنتزون كانوا يعتبرون منفصلين عن مركزية الدولة الإسلامية في الأندلس ولكنهم كانوا يدافعون عن استقلالية أقاليمهم. ونجد أيضا من بين عناصر المحكومين في الأندلس السكان الذين حافظوا على ديانتهم النصرانية أو غير النصرانية كاليهودية([6])، وكانوا يشكلون نسبة هامة من بين هؤلاء المحكومين وقد اختلطوا بالسكان المسلمين اختلاطا شديدا إلى حد المصاهرة وتعاملوا معهم تعاملا كليا في كل أنواع المعاملات التجارية والعقارية والحياة اليومية كما حافظوا نوعا ما على"رطانتهم" ولهجاتهم الشعبية التي تكونت من عدة عناصر استوطنت المنطقة. وقد طبعت حياة هؤلاء الذميين بطابع أندلسي متميز يتحدثون في حياتهم اليومية عن علاقتهم بالسلطة وما كانت ترهقهم به من ضرائب شرعية وغير شرعية أو ما كان يقال في الأندلس من مكوس وقبالات. وهذا الواقع يبين أن هؤلاء كانوا مستقرين ولم يكونوا شبيهين ببدو المغرب الذين كانوا رحلا أكثر منهم مستقرون، فمعظم هؤلاء هم الذين كانوا يتحملون تبعة الإنتاج الاقتصادي اليومي لتغذية مدن الأندلس وبالتالي إمداد الحاكمين وأصحاب الامتياز بضروريات العيش وإن كان يوجد من بينهم ملاك إما إنهم يحملون امتيازا من السلطة المركزية أو كانوا نوابا عن ملاك المدن في الأندلس، أي نائبين عن أغنياء قرطبة وإشبيلية وباجة أو شنترين في بوادي وضواحي هذه المدن.
ومن بين عناصر المحكومين أيضا في الأندلس عنصر له أهميته في المدن أكثر من أهميته في خارجها وهم جماعة الصقالبة (Les slaves) وهم الذين كانوا يكونون خدم القصور وعبيد رجال الدولة في داخل ممالك الأندلس خلال المرحلة الخاصة بالنصف الأول من القرن 6 ﻫ. وهناك عناصر أخرى مرتبطة بمجتمع المحكومين وهم القبائل المستعدة للاستنفار في أي مجهود حربي تدعو له السلطة المركزية.
هذه الأصناف العامة التي تظهر بصورة مختلفة حسب المصادر الأندلسية تبين أن هؤلاء جميعا كانوا يخضعون لمفاهيم دينية وسياسية وكذلك ظروف اقتصادية من شأنها أن تعطي خرائط سياسية في الأندلس خلال هذه المرحلة. وأهم تلك الظواهر التي كانت تتحكم في هؤلاء جميعا هي الظاهرة الدينية الصوفية والتي تكونت نتيجة لضغط خارجي من قشتالة التي نظمت ضد المسلمين الأندلسيين عملية "حرب الاسترداد". وهذا ما يجعلنا نطرح السؤال الآتي: ما هي علاقة هذا الوضع الاجتماعي في الأندلس بأوضاعها السياسية والعسكرية خلال عهد علي بن يوسف بن تاشفين؟
في الجواب على السؤال يجب أن نتلمس جميع المعطيات التاريخية التي أفرزتها المرحلة خصوصا ابتداء من أواخر القرن 5 ﻫ وما جاء بعد معركة الزلاقة لسنة479 ﻫ. لكن استقصاء الوقائع يصعب تتبعه باضطراد، هذا يفرض علينا أن نعود إلى القضية الكبرى التي كانت تشغل الأندلس كلها، وهي قضية مشتركة بين الطرفين: المسلمين الأندلسيين والقشتاليين زعماء إسبانيا المسيحية (مملكة ليون وأركون وجلسيا وأشتريش وبورتو). فكل هؤلاء كانت قضيتهم مجموعة في مصطلحين: الجهاد عند المسلمين الأندلسيين و(la reconquista espanole) أي حرب الاسترداد. فكل من الطرفين كان يتحرك من جهته لتحقيق مشروعه إلا أن المسلمين الأندلسيين في القرن 6 ﻫ كانوا في موقع دفاع بل تراجع ومحاولة الحفاظ على مواقعهم مهما كانت جهودهم العسكرية. أما الطرف الثاني فكان في موقع هجوم ولا يريد الاحتفاظ بما استولى عليه بل كان دائما يتحرك في اتجاه المزيد، وهذا هو نوع المفارقة بين الجماعتين في الأندلس كلها، إلا أن البنية الداخلية للمسلمين ساهمت في ضعف الوضعية العسكرية والسياسية وجعلت أهل الأندلس لا يبحثون عن قوة مركزية توحدهم وإنما جعلتهم يعملون على تكوين ممالك طائفية مستقلة([7]). وقد زكى هذا الوضع قادة جيوش الأندلس وزعماء ميلشيات المدن (الحاميات)، كما ساهم في تمزيق الوضع أيضا مجموعة من قادة المتصوفة أو ما يمكن أن يسمى بشيوخ المريدين، فهم الذين كونوا حركات ثورية ضد إخوانهم من معارضيهم داخل الجماعة المسلمة، ولم يتحركوا ضد النصارى إلا في النادر.
هؤلاء جميعا كونوا مجموعة من الممالك منظمة تنظيما عشوائيا كانوا يقتصرون على جباية الضرائب على مقدار ما يصرفونه على أنفسهم ودعم حامياتهم، وكان من بين هؤلاء الزعماء قضاة وعلماء ورجال فكر في هذه المرحلة. هذا الوضع الذي تكون في الأندلس أثناء عز الدولة المرابطية في الغرب الإسلامي، وخصوصا في عهد أحد كبار أمراء الدولة وهو علي بن يوسف بن تاشفين (500 ﻫ-536 ﻫ)، أدى إلى ظهور انقسامات في هذه الفترة الزمنية، فقد كانت مشكلة الدولة المرابطية أنها تصدر أوامرها العسكرية والسياسية إلى الأندلس ليُتخد القرار السياسي المراكشي المرابطي في قرطبة وإشبيلية. ولتحقيق ذلك كانت الجهود المسيحية في أوج تنظيمها تتحرك في هذه المنطقة كلها الشيء الذي أدى فعلا إلى أعمال عسكرية بين الطرفين حددت ما بعد ذلك الوضع التاريخي للإسلام في الأندلس وأهم مظاهر الصراع بين الطرفين في هذه المرحلة نذكر حدثين كان لهما أكبر الأثر على:

أولاً: مصير الدولة المرابطية ككل وكأسرة حاكمة في الغرب الإسلامي كله. ثانياً: على مسألة الحكم الإسلامي ولو بمفهومه المحلي الأندلسي في شمال إبيريا وجنوب غربها.
هذه الوقائع المهمة هي: معركة أقليش (في المنطقة الغربية شمالا للثغر الأدنى) ومعركة شنترين قرب لشبونة. فقد حدثت في هذه المنطقة الغربية معركتان وخاصة معركة شنترين سنة 520 ﻫ وبعدها معركة أفراغة سنة 522 ﻫ. هذه الوقائع تكبد فيها جيش المرابطين خسائر تختلف حسب نوع الوقيعة والمعركة إلا أن أشدها وقعا هي معركة أفراغة التي خسرت فيها الدولة المرابطية خيرة رجالها العسكريين.
تتزامن هذه الهزيمة مع أحداث أخرى في داخل المغرب وهي حركة المهدي بن تومرت([8]) والتي بدأت تهدد عاصمة الدولة رغم الانتصار المرابطي في ضواحي مراكش في معركة البحيرة 524 ﻫ. ولم يعوض انتصار البحيرة هزيمة أفراغة وعندئذ بدأت حركة المريدين في الأندلس، وحركات الفئات الاجتماعية الأخرى من محكومي مسلمي الأندلس تتمرد ضد الحكم المرابطي، وهذا يعني بداية انفصال الأندلس عن الحكم المرابطي وعلى الأقل انفصال البوادي الأندلسية وأقاليم الثغور عن السلطة المغربية([9]).
فهل النظام الاجتماعي الداخلي للأندلس كان بدوره ضد المرابطين؟ ومن خلال المصادر نلمس عبارة بدأت تتردد عند زعماء ممالك الطوائف الأندلسية في هذه المرحلة والتي كانت تشمل الانتقاد الشعبي الأندلسي ضد المرابطين، وهي أن المرابطين أصبحوا جباة ولم يعودوا حماة كما كانوا في النصف الثاني من القرن 5ﻫ. هذا الانتقاد يبرر إلى حد ما الانقسام الطائفي ولكنه لا يبرر رفض استمرارية المشروعية لأن الدين الإسلامي صارم في الحكم عندما يقول: «اتباع إمامٍ جائرٍ جائزٌ في الحق أولى من رفض الإمام مطلقا». ولكن أيضا يعطينا الوضع السابق أن الأندلس في نمطها الحضري والاجتماعي رفضت نمط السلطة المغربية لشعورها بالتفوق على العنصر الحاكم حضاريا. واستمر هذا الوضع الانقسامي إلى أن انتصر الموحدون على المرابطين وأسقطوا مراكش في بداية 541 ﻫ بعد حصار مرير وغزو قاسٍ للمدينة الكسيرة.


ثانياً: مجتمع المغرب الكبير في القرنين 5 و6 ﻫ
إن تاريخ المجتمع المغربي بمعناه العام من القضايا التاريخية التي مازالت في بدايتها، والمصادر المتوفرة على قلتها لا تهتم بصورة مباشرة بتاريخ المجتمع بقدر ما تهتم بقضايا السلطة العليا وما ارتبط بها من صنوف العلاقات البشرية، وإذا أشارت عرضا لظاهرة اجتماعية فإن ذلك يرجع لأمر يهتم ويرتبط بقضايا السلطة مثل الاهتمام بالضرائب وصراعات القبائل في البادية وموقف الدولة منها، وكل ذلك لا يبرر إغفال دراسة "المجتمع المغربي" في الغرب الإسلامي لأن التفسير الحقيقي للتاريخ المغربي الوسيط يجب أن ينطلق من البناء الداخلي ومعرفة الميكانيزمات الداخلية لدراسة أوضاع المجتمع ومعرفة المتغيرات بين السلطة والمحكومين في داخل البلاد.
وفي القرن 6 ﻫ وعلى وجه الخصوص من حوالي 479 ﻫ إلى حوالي 591 ﻫ/ 1195 م، ونعني بذلك المرحلة الممتدة من معركة الزلاقة إلى معركة الأرك، يمكن أن نلمس أو على الأصح نتلمس ملامح عامة بـأوضاع مجتمعنا المغربي الوسيط وعلى تعدد تلك الملامح سنميز من بينها ما له فعالية في تشكيل هذه المرحلة التاريخية بمعنى ما له ارتباط بالفعل السياسي والمجتمعي الذي طبع المرحلة، وبذلك ننتقل إلى طرح السؤال الآتي:

كيف كانت البنية الداخلية للمجتمع المغربي الكبير في العصر الوسيط؟
في إطار الجواب يجب أن نميز بين مسألتين: مسألة الحياة اليومية (Vie Quotidienne) سواء في البوادي أو في الحواضر، ومسألة ارتباط المجموعات البشرية بالعمل السياسي خلال هذه المرحلة. فبالنسبة للمسألة الأولى أي التنظيم الشعبي للعلاقات المجتمعية اليومية لا نجد في المصادر إجابة شافية ومستفيضة ولكن عندما نعود إلى ما أخفته لنا المرحلة من مادة فقهية وعرفية وإلى ما خلفته لنا الحوليات يمكن أن نقرر الظواهر الكبرى الآتية:

    1 - نظام مجتمع المدن.
   - نظام مجتمع البوادي.

وكل من النظامين يخضعان لمسألة هامة جدا وهي توجيه الفقهاء وعلماء الشريعة لهذين التنظيمين حسب ما يسمونه بالمناطق التي تنالها أحكام السلطان والمناطق التي لا تنالها أحكام السلطان([10])، ويعني هذا التمييز بين المناطق التي تطبق فيها القواعد الشرعية الإسلامية والمناطق التي يضعف فيها هذا التطبيق (بمعنى سيادة التطبيق العرفي)، سواء كان مقبولا في داخل الشريعة أو خارجا عنها.
وباستنطاق النصوص يمكن أن نميز في هذا الموضوع كله أنواعا من الأعراف تختلف باختلاف الجماعات البشرية التي أفرزتها الحياة اليومية في المنطقة المتنوعة تضاريسيا ومناخيا وإقليميا من الجبال إلى السهول ومن مناطق الغابات إلى أقاليم الصحراء والمراعي الإستبسية، وبذلك نعود إلى العناصر المكونة للمجتمع ثم إلى التنظيمات المختلفة باختلاف هذه العناصر. فما هي إذن هذه العناصر البشرية في المغرب كله ؟
ففي القرن 6 ﻫ نميز في التركيب الديموغرافي للمغرب الكبير تنوعا وتفاوتا في القوة البشرية المتعايشة في المنطقة من بدو وحضر، فقد ظهرت نسبة البدو أقوى من نسبة سكان المدن يحبث تميل كفة أهل البادية على كفة أهل الحضر. والدليل التاريخي على هذا الافتراض هو أن جيش الدولة والحملات العسكرية التي تقوم بها كانت تتكون من الهيئات القبلية وبالتالي من البدو، أما أهل الحواضر فكانوا لا يمثلون إلا أطرا أو شبه أطر لهذه الحملات العسكرية، وهكذا نرى أن هذه الديموغرافية أي سكان بلاد المغرب الكبير في هذا الإقليم الممتد من المحيط غربا إلى برقة شرقا ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى بداية رمال الصحراء الإفريقية الكبرى نجدهم في هذا المجال متعايشين ومتآلفين ومتنافسين ومُتألِّبين. فهم يتكونون من العناصر الكبرى الآتية:

1 - البربر أو الأمازيغ([11])
وهم الأغلبية المطلقة في هذه المرحلة التاريخية ويمكن أن نصنفهم مرحليا حسب تقديم النصوص المعاصرة للمرحلة المدروسة إلى ثلاثة أحلاف وتجمعات كبرى: هي صنهاجة، مصمودة، زناتة وكل صنف من هذه العناصر الثلاثة يُكَوِّنُ عصبيات قبلية من شأنها أن تتميز في التنظيم الداخلي وفي الارتباط الدموي وفي الطموح السياسي؛ لكن يجب أن ننتبه إلى قضية استحكمت في تحركاتهم نحو أي هدف وهي قضية البيئة الطبيعية والعلاقات النمطية التي كانت توجههم نحو تحقيق ما يمكن أن نسميه "دولة الأسر البربرية" في مغرب العصور الإسلامية الوسطى؛ ولكن بالمعنى الأول لمفهوم الدولة أي بمعنى سلطة القبيلة الممثلة في إرادة زعمائها ومشايخها ويعني المعنى الأولي نظام الحكم الشفوي في المجتمع البربري (العرف السياسي)، بمعنى تعارف الجماعة على نظام مجتمعي شامل، وعند تعارض الأعراف وتعارض المصالح يحدث التضارب والخلاف القبلي، وهذا ما يفسر تنازع القوات الثلاث الكبرى ولا يعني ذلك استقلال كل فئة من هذه المجموعات الثلاث بأرض معينة دون غيرها، بمعنى أن بلاد البربر مجال حيوي لكل هذه القوات الثلاث، فليست هناك ملكية خاصة بكل جماعة من مجموعة الأحلاف الثلاثة المذكورة، وهذا ما يبرر حرية الحركة للقبائل في هجرتها الداخلية وفي استيطانها المحلي.
وقد لعبت عدة عوامل في تحقيق هذه الحرية، عامل الظروف الطبيعية والمناخية ونمط أسلوب الحياة من نمط رعوي إلى نمط زراعي مستقر أو شبه مستقر بالإضافة إلى عامل حركة القوافل التجارية الرابطة بين أقاليم ومدن بلاد البربر أو بين غرب إفريقيا جنوب الصحراء أو المشرق مهد الإسلام([12]). ويعني هذا أن هذه الجماعات بحكم انزواء بعضها في مناطق معينة حدث فيها التشكل التنظيمي الثلاثي؛ فأهل الجبال تميزوا في النصف الأول من القرن 6 ﻫ بطابعهم التقشفي الانعزالي ولكنه في جميع الحالات يطمح إلى البروز وتحقيق نفوذ سياسي، وهذا ما حققه مصامدة الجبال في المرحلة الموحدية.
أما بربر المناطق شبه الجبلية أو المناطق السهلية أو على الأصح مناطق (الإستيب) الرعوية فقد عمرها العنصر الزناتي الذي تحرك خلال العهد الوسيط من أجل المشروع السياسي الذي حققه بطريقة جزئية قبل القرن 5 ﻫ([13])، وحققه بطريقة كلية في القرن 7 و8 ﻫ (ميلاد الدولة المرينية). أما العنصر الصنهاجي الذي كان مجاله الحيوي في المناطق شبه الصحراوية والصحراوية فهو الذي مثله المرابطون([14]).
وفي إطار التنظيمات الداخلية لهذه العناصر يمكن أن نقرر شيئا واحدا وهو الاحتفاظ باللهجات اللغوية التي تنوعت بتنوع الانعزال البيئي وليس بحكم الاستقلال اللغوي بين هذه الفصائل الثلاث فكل منها يتحدث لغة ذات أصل واحد وإن حاول المختصون في اللهجات البربرية تصنيفها إلى ثلاث: أمازيغية، شلحاوية، وبربرية. وقد تميزت العناصر البربرية في لحمتها العصبية في إطار تكتلات وأحلاف كبرى على المستوى القبلي التضامني بما هو معروف بهذه المرحلة التاريخية: مصمودة، صنهاجة، زناتة. وهذه التقسيمات شملت كل برابرة المغرب الكبير من إفريقية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وتميزت هذه المجموعات بتحركاتها السياسية الطموحة إلى تكوين الدولة بمعناها السلطوي الوسطوي الذي كان سائدا في النظام القبلي المغربي العام.
والذي يكون مفهوم الدولة-القبيلة، أو دولة القبيلة، يعني معنى عشائريا أكثر مما يعني مضمونا سياسيا منظما كما شرحه الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية"، ولكن التطور الذي حصل في الدولة المغربية والمجتمع المغربي ابتداء من العصر المرابطي إلى ما بعده أي إلى نهاية بني مرين كانت له أصول مؤثرة من عناصر أخرى أضيفت إلى سكان بلاد المغرب منذ القرن 5 ﻫ. وهذه العناصر هي التي ستكون العنصر السكاني الثاني الهام في البنية البشرية السكانية لبلاد المغرب الكبير.


2 - العرب
نقصد بهم الجموع البشرية التي انتقلت من المشرق إلى المغرب في العهد الوسطوي، ويمكن أن نميز في عملية الانتقال العربي إلى بلاد المغرب عنصرين متميزين:

أ - العرب المُؤطرون للحكم والنفوذ الإسلامي في بلاد المغرب الكبير.
بالعرب البدو (الأعراب حسب ابن خلدون).

العرب في المغرب خلال العهد الوسطي
 


عرب الفتح 27-450                                   عرب الهجرة 450-760 
      
- العنصر الأول الذي يمكن تحديد الفترة الزمنية لوجوده في بلاد البربر بصورة عامة من سنة 27 ﻫ إلى منتصف القرن 5 ﻫ (450 ﻫ)، كان يمثل جنود الدولة الإسلامية وأطر نشر الدين والسلطة الإسلامية في المنطقة. ويلاحظ أن هؤلاء استقروا في الرباطات والمراكز الحضرية التي أسست لتَكون حصونا لتمركز القوة الدينية والسياسية والفكرية للتنظيم الإسلامي في بلاد المغرب؛ ورغم تطور العدد البشري في مراحل الزمن من القرن 1 ﻫ إلى 5 ﻫ، فإن أثر هؤلاء اقتصر على المضمون السياسي والديني في تلك المراكز وما حولها، وقد يكون لهم وجود في البوادي ولكنه كان طفيفا، الشيء الذي أدى إلى استمرار التنظيمات القبلية البربرية في البوادي بمعناها القبلي والعُرفي واللغوي. إذن كان تأثير هذا العنصر تأثيرا سلطويا ودينيا ولم يكن في مستوى التأثير الكلي الذي يعبر عن التلاحم والاندماج الاجتماعي الكامل؛ ومعنى هذا أن المرحلة الأولى كان الهدف منها هو تحقيق التوطيد الديني بمعناه المذهبي ومعناه الحضاري العام والاستجابة التي كانت بين المؤثرات الحضارية المشرقية في بلاد البربر([15]). وهذا العنصر كانت له خصوصية، وهي خصوصية تسهيل عملية انتقال القوة البشرية العربية القبلية من بلاد المغرب والبربر إلى الأندلس، حيث كانت قوة هذه القبائل العربية المنتقلة من المشرق إلى الأندلس عبر بلاد المغرب كانت أهم ما ميز هذه المرحلة الأولى من وصول قبائل العرب إلى بلاد الغرب الإسلامي. وقد درس هذا الجانب الباحثون الإسبان ومن الباحثين المشارقة مصطفى أبو ضيف أحمد([16]).
- أما العنصر الثاني وهو عنصر يعتبر من أقوى العناصر المؤثرة في مدلول تعريب بلاد المغرب بالمعنى الفعلي لهذا المصطلح، وهو التعريب السُّلالي البشري والتنظيمي والديني والحضاري عموما. فقد شمل كل المناطق ما عدا قمم الجبال العليا المنيعة التي استعصى وصول هؤلاء إليها، إما للظروف البيئية، وإما لظروف عسكرية وسياسية  فرضتها مرحلة ما بين القرن 5 ﻫ والقرن 7 ﻫ، فقد وصلت جموع بدو العرب إلى بلاد البربر منذ تهجيرهم على يد الفاطميين من حوض وادي النيل إلى هذه المنطقة([17]).
ويمكن أن نميز في هذه الجموع التي تفاوتت أرقام أعدادها عند المؤرخين القدماء، وإن كنا نحتفظ وبتحفظ شديد بالرقم الذي أورده ابن خلدون حيث أعطى رقما عدديا يتفاوت بين 500 ألف ومليون من الجموع البشرية([18]). وهذا الرقم على أهميته ورغم الشك في صحته ودقته، فإنه يعبر عن هجرة بشرية داخلية بالنسبة لغرب العالم الإسلامي، وقد كانت هذه الهجرة نهائية تشمل الرجال القادرين على حمل السلاح والشيوخ والنساء والأطفال وقطعان الماشية، بمعنى أنهم رحلوا بقضهم وقضيضهم رحلة نهائية لا يفكرون في العودة. واستوطن هؤلاء في البوادي ولم يفكروا إطلاقا بالاستقرار في المدن لأنهم بدو رحل وأنصاف رحل.
ويمكن تصنيف هؤلاء حسب امتداد المرحلة الزمنية التي حددناها من القرن 5 ﻫ إلى القرن 7 ﻫ إلى مجموعتين:

   أولاً: مجموعة قبائل بني هلال([19]).
   ثانياً: مجموعة قبائل بني معقل([20]).

فالأولون  يختلفون عن المجموعة الثانية ليس من الناحية العرقية الإثنية وإنما يختلفون عنهم في نمط العيش ومستوى التنظيم السوسيولوجي للمجموعاتالقبلية، وهذا الاختلاف أيضا الذي ينبني أساسا على أن بني هلال كانوا في مستوى وسط بين الارتحال والاستقرار. فهؤلاء يمكن أن يكونوا فلاحين ورعاة، أما النوع الثاني وهم بنو معقل فلم يكونوا إلا رعاة أي كانوا بمجموعهم رحلا ونبني على هذا الاختلاف حركة البحث عن مواطن الاستقرار في النمطين معا. فبنو هلال الذين سينقسمون إلى فروع كبرى ( بني سليم- زغبة- بني هلال- جشم). هؤلاء استقروا في السهول وضواحي المدن من بلاد المغرب وحاولوا أن يستوطنوا المناطق الغنية زراعيا بأحواض الأنهار على امتداد بلاد المغرب الكبير، وقد دخل هؤلاء في نوع من التنافس على مناطق النفوذ والتواجد مع العناصر البشرية التي كانت موجودة قبلهم في المنطقة. أما بنو معقل فقد جاءوا متأخرين عن العنصر الأول ولكنهم حافظوا على بداوتهم الأولى وارتبطوا في وجودهم وانتشارهم في بلاد المغرب على امتدادهم في المناطق الجنوبية ابتداء من جنوب التل بالجريد التونسي حاليا ومناطق السهوب في  المغرب الأوسط وجنوب الأطلس الكبير وفي الهضاب والنجود العليا بشرق المغرب، يعني هذا كله أن هذه الموجة العربية الكبرى أعطت عملية التعريب الشامل عرقيا ولغويا ودينيا لبلاد المغرب الكبير([21]).
وسيلعب هذان العنصران العربيان دورا كبيرا في تشكيل البناء السكاني البشري في بلاد المغرب الكبير على كل المستويات، وستعبر المراحل اللاحقة ابتداء من القرن 8 ﻫ/ 14 م عن هذا التأثير العام في بنية الحياة السياسية بوجه عام([22]).
ومن الجدير بالذكر التنبيه على العلاقة بين هذه المجموعات العربية المنتقلة إلى بلاد المغرب الكبير والمنتشرة في الأقاليم الجنوبية الصحراوية والجهات الغربية من إفريقيا مع الأسر الحاكمة ذات الأصل البربري من المرابطين والموحدين وبني مرين، التنبيه على أن هذه العلاقة كانت ذات طابع رسمي بحيث كان ملوك وخلفاء الدولة المغربية يربطون علاقتهم الوثيقة مع "شيوخ" قبائل العرب لتكوين الأحلاف وتنظيم الانتشار العربي في مناطق الدولة المغربية وأقاليمها، فاستقدموهم باتفاق وثيق للانتشار في ضواحي المدن وأقاليم المغرب الرعوية، وأهم مظاهر هذه العلاقة هو ما قام به الخليفة عبد المومن بن علي الكومي عندما اصطدم جيشه بالقبائل العربية في منطقة "سطيف" سنة 548 ﻫ/ 1153 م. وبعد هذه المعركة التي انتصر فيها الجيش الموحدي عمل عبد المومن على الاتفاق مع شيوخ العرب لاستقدامهم إلى مراكش والحوز المراكشي وجهات الشاوية لحماية الدولة ونصرتها ومواجهة العناصر الصنهاجية المتمردة على الخلافة الموحدية وتكوين جيش للدفاع عن الأندلس، فانتشروا فيها وأصبحوا قوة ضاربة لحماية الدولة الموحدية في عهد عبد المومن وعهد ولده يوسف وكذلك يعقوب المنصور الذي عمل على جلب القبائل العربية والاتفاق معهم على حماية الدولة، فكانوا فعلا نواة لقبائل "الجيش" الذي يدين بالولاء للخليفة الموحدي. وهكذا كانت السياسة الموحدية ومن بعدها المرينية تعمل على نشر الجموع القبلية العربية في جميع تراب المغرب وخاصة ضواحي المدن المعروفة آنذاك في الوسط والجنوب والشرق، وبهذه العملية تم "تعريب المغرب الأقصى" تعريبا سلاليا ولغويا وحضاريا([23]).
ولم يقتصر البناء الاجتماعي في بلاد المغرب على هذه العناصر الكبرى (البربر والعرب) بل هناك عناصر يمكن اعتبارها من الأقليات الهامة في البناء الاجتماعي والمنظومة البشرية في بلاد المغرب ويمكن إجمال وتحديد هذه العناصر في النماذج الكبرى الآتية:

3 - العناصر ذات الأصل الإفريقي جنوب الصحراء
وهذه العناصر بدأ وصولها إلى بلاد المغرب منذ بداية الاتصال الحضاري والتاريخي بين حوض البحر الأبيض المتوسط وذهب السودان عن طريق قوافل الصحراء وقد اختلفت المراحل التاريخية في أهمية وصول هذا العنصر، إلا أن المرحلة المرابطية وما بعدها إلى حدود نهاية بني مرين عرفت زحفا هائلا للعنصر الإفريقي ليس عن طريق الهجرة وإنما عن طريق نشاط الحركة التجارية في إطار تقوية العلاقات والامتداد الإسلامي في إفريقيا جنوب الصحراء، خصوصا أثناء تكوين مملكة غانا ودخول جموعها الإفريقية في الإسلام ابتداء من القرن 3 ﻫ([24])، وتكوين رباط عبد الله بن ياسين في بلاد التكرور في بداية القرن 5 ﻫ([25]). وتعتبر عملية إنشاء أودغشت في أواسط القرن 3 ﻫ من أهم المحطات التجارية والحضارية للامتداد البشري من الشمال إلى الجنوب ونقل العناصر الزنجية إلى أسواق النخاسة في كل من بلاد المغرب والأندلس وحوض البحر المتوسط برمته([26]). تعتبر إذن أودغشت أهم نقط الاتصال والتي كان لها بعد فعال في استمرارية نقل العنصر الإفريقي مع المحطات الأخرى مثل سجلماسة ووركلة في المغرب الأوسط، وغدامس وفزان في الجنوب الصحراوي الليبي حاليا.
        هذه المحطات والمراكز كانت هي جسور عبور العنصر الإفريقي الزنجي إلى الشمال، وقد ظهر هؤلاء في المراكز الحضرية في بلاد المغرب ظهورا بارزا، وكذلك في الواحات المغربية عموما حيث وظفوا باعتبارهم يدا عاملة أو خدمة في القصور الكبرى والمنازل وخدمة في الفلاحة خلال المراحل اللاحقة، ووظفوا إلى حد ما في نظام الجندية القريبة من الأنظمة البلاطية في دول أو دويلات المغرب الكبير خلال المراحل الوسطوية من القرن 3 ﻫ إلى القرن 10 ﻫ([27])، وكانوا يظهرون من حين إلى آخر ضمن صفوف الجنود باسم أهل السودان كفرقة للتدخل السريع والنهائي حماية لأركان السلطة السياسية في بلاد المغرب([28]).

4 - اليهود
يكون اليهود أحد عناصر الأقليات ضمن سكان المغرب الوسيط على وجه الخصوص في منطقة بلاد البربر([29]) وإن كانت وضعيتهم ونسبة عددهم بالأندلس أكثر ظهورا وارتفاعا ويمكن أن نميز العنصر اليهودي في منطقة بلاد الغرب الإسلامي فاختلف وجودهم في الأندلس وبلاد المغرب الإفريقي اختلافا بينا، كما يجب أن نميز بين عددهم ونسبة تكاثرهم حسب المرحلة الزمنية الوسطوية فوجودهم قبل العهد الموحدي في بلاد المغرب الكبير يختلف عنه في العهد الموحدي والمريني([30]). والمهم أن تعايشهم ضمن نطاق الجماعة في الغرب الإسلامي كان قائما باعتبارهم العنصر البارز فيما كان يصطلح عليه بأهل الذمة. مع العلم أن هذا المصطلح يشمل أيضا النصارى سواء كانوا معاهدين أو غير معاهدين أو سواء كانوا في خدمة الدولة كمرتزقة أو غير ذلك، إلا أنه يجب أن نلاحظ أن اليهود في المغرب خلال العصر الوسيط  كانوا مسيطرين على الصيرفة والصياغة والحرف التي تنمو وتنتشر في المدن والمراكز الحضرية في منطقة الغرب الإسلامي، كما تميزوا أيضا بأعمالهم الأخرى مثل الحياة الفكرية التي كانوا قائمين بها خصوصا في الأندلس إما أطباء أو تراجمة يترجمون من اللاتينية إلى العربية أو العكس ومعنى هذا أنهم كانوا حلقة وصل بين العالم الغربي المسيحي والحضارة العربية الإسلامية. وأهم شخصية تعبر عن هذا التواصل هي شخصية موسى بن ميمون الذي برز كفيلسوف ومفكر يهودي في أواخر العهد المرابطي وبداية العهد الموحدي. ويجدر بنا أن نشير إلى تواجد العنصر اليهودي في نقط الاتصال والترابط بين إفريقيا الغربية جنوب الصحراء وبين حوض البحر الأبيض المتوسط، ومعنى هذا وبوجه عام أننا نلاحظ وجود اليهود البدو واليهود الحضر، إلا أن الوثائق التي تعطينا تفاصيل هذا التواجد وهذا الترابط لا تتوفر بصورتها الحقيقية ما عدا الإشارات الطفيفة التي تمدنا بها المصادر الإسلامية([31]).
ويلاحظ أنهم أيضا كانوا مرتبطين بتموين جنود الدولة المغربية في حملاتها بالأندلس وحتى في عملية التهدئة الداخلية. المهم أن دورهم كان يلخص في عملين:


 أولاً:الأنشطة الاقتصادية المالية والتجارية.
 ثانياً: في الحياة الفكرية والطبية والصنائع الدقيقة والحرف وما إلى ذلك.

وحسب الأبحاث الجارية حديثا عن تاريخ اليهود في شمال إفريقيا سواء في العهود الوسطى أو في غيرها، يتبين أن العنصر اليهودي كان أقلية من حيث العدد، ولكن كانت له فعالية في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط، هذه الفعالية التي نلمس دورها في كل من العهد المرابطي والموحدي والمريني وإن اختلفت رؤية الدولة من مرحلة إلى أخرى لهذا العنصر. ونشير إلى القرار الرسمي الذي صدر في أيام عبد المومن بن علي اﻟﮕﻮمي والذي يقضي بضرورة وبوجوب طرد اليهود من بلاد المغرب إلا من أسلم منهم وهذا القرار تبنته الأبحاث اليهودية لتعبر عنه وبإجرائية عن عملية الاضطهاد. ولكن الموقف الرسمي للدولة الموحدية والذي يقضي بضرورة "الإصلاح الديني" أولا وبضرورة إتمام الدعوة وبضرورة بناء الدولة الإسلامية كان ضروريا يعمل على أن حقيقة دولة المصامدة لا يبنيها إلا فكر تبنى نظرية الدولة الإسلامية ومرجعيتها الفكرية وهذا سيشرح ضمن دراسة عقيدة المهدي بن تومرت ونظرية الدولة عنده.
ونشير أيضا إلى دور العنصر اليهودي الذي كان خطيرا جدا في نهاية الدولة المرينية حيث وصلوا إلى مستوى الوزارة ولعبوا دورا استبداديا. وعملية استنكار سيطرة اليهود على الدولة أدت إلى إسقاط دولة بني مرين وإشعال الثورة التي أدت إلى انقسامهم إلى مملكتين في أيام الوطاسيين أي ابتداء من سنة 865 ﻫ/ 1460 م حيث يبتدئ عهد الدولة الوطاسية وتبين من دراسة تاريخ اليهود في الغرب وبالمغرب أنهم لم يكونوا مقتصرين على المناطق الحضرية بل عاشوا في كل بوادي الغرب الإسلامي وتعايشوا مع السكان، ولكن يجب أن نميز العنصر اليهودي ليس باعتباره جنسا صافيا وإنما كانوا عبارة عن أخلاط من العناصر البشرية إلا أن الشيء الذي يميزهم هو الديانة اليهودية التي أيضا لم تحافظ على طابعها القديم والمستقر بل دخلت في يهود المغرب تقاليد وطبائع

أخرى بربرية وعربية، الشيء الذي جعلنا نقول بأن هناك «حياة يهودية مغربية متميزة» عن الديانات أو الممارسات الدينية لليهود خارج المغرب، فليهود المغرب في العهد الوسيط خصوصية التحمت فيها أعراف البربر وبعض تقاليد الإسلام لأن طبيعة التعايش تؤدي إلى التلاحم.

5 - أقليات أخرى
يمكن أن نجملها في العناصر الآتية: العناصر ذات الجنس الزنجي الأسود من الأصل الإفريقي، ثم الرقيق الأبيض بالأندلس المعروفون بالصقالبة([32]) نتيجة لتجارة الرقيق أو عن طريق عملية الجهاد البحري الذي كان مستمرا بين أوربا وشمال إفريقيا منذ الحروب الصليبية والتي استمرت في المنطقة حتى بعد سقوط سبتة سنة 818 ﻫ/ 1415 م([33]). وهناك أقليات أخرى كان تأثيرها أقل من تأثير العناصر السابقة وهي أقلية الطوارق أي سكان شمال الصحراء الإفريقية. فقد تسربت عناصر منهم إلى بلاد حوض البحر المتوسط وقطعت صلتها بالصحراء ومعظمهم استقر في الواحات الموالية للصحراء الإفريقية الكبرى.
ومن خلال هذا الجرد المختصر لعناصر السكان نلاحظ أن هذا الاختلاف والتنوع وتباين المؤثرات والتأثيرات حسب ظروف العصور الوسطى، نتج عن كل ذلك تنوع في بناء المنظومة الاجتماعية للغرب الإسلامي كله وهذا التباين بطبيعة الحال أدى إلى تباين آخر في "مفهوم الدولة المغربية" وطبيعة الأنظمة. فكل يهدف إلى نظام يحكمه ونسق اجتماعي يتبعه، لكن القاسم المشترك بين الجميع كان هو الإسلام، ومع ذلك تباينت الشروح لهذا القاسم المشترك واختلفت عملية الاندماج الاجتماعي، وهذا الاختلاف

إذا بنينا عليه في تحليل عملية تكوين السلطة وأضفنا إليه ظروف ظاهرة العزلة
وهي الظاهرة الواضحة، نجد أن "عملية الاستقلال القبلي" ودفاع كل قبيلة أو على الأصح كل وحدة اجتماعية كان شيئا مشروعا وحتميا وهذا ما يجب أن نفسر به تناقضات صراع القبائل وصراع العصبيات والتي لا يمكن حصرها في العصبيات الكبرى. مصمودة وصنهاجة وزناتة، بل يجب أن نلاحظ وجود مظاهر اجتماعية لم تحظ بعد بالاهتمام والدراسة وهذا الجانب هو الذي نسميه (الجانب المنسي) من تاريخ الغرب الإسلامي في العهد الوسيط وهو ما نعنيه في أبحاثنا بعصبية الظل
([34]) وقد تكون له أهميته في تشكلة تاريخ المجتمع العام الذي طبعته ظاهرة الأحلاف القبلية وتنظيماتها الاجتماعية ذات البعد الاقتصادي والسلالي أحيانا المصلحي عموما، حيث كان "الحلف" هو قضية التواصل والترابط والتلاحم السياسي والاجتماعي في كل القوى المنتشرة في بلاد المغرب الكبير.
بعد هذا الإطار الاستعراضي عن تاريخ الغرب الإسلامي نطرح السؤال الأزلي الآتي: كيف تطورت الظروف والأوضاع التاريخية بمضمونها العام على المستوى السياسي في منطقة الغرب الإسلامي خلال العهد الوسيط؟
يمكن تلخيص مقدمة الإجابة بالشكل الآتي؛ أن تحديد مضمون العهد الوسيط يتطلب منا  العودة إلى ما قبل الفتح الإسلامي واستعراض مراحل ما قبل الفتح الإسلامي أي من نهاية القرن 5 م عملية قد لا تستنفذها الدراسة السريعة التي نقوم بها ولهذا سنضطر إلى حصر الدراسة في مراحل كانت مخاضا لصراع الإطار الزمني الممتد من القرن 5 م إلى القرن 10 م أي مرحلة البيزنطيين والفتوحات الإسلامية بما فيها عهد البعثة النبوية وبداية الحكم في القيروان وما والاها، ثم فتح الأندلس([35])، ثم مرحلة الثورة الخارجية([36]) في المغرب الكبير وقفزنا إلى أواسط الدولة المرابطية، من نهاية المرابطين إلى أواسط القرن 8 ﻫ (أي من القرن 10م إلى القرن 15 م) حيث نلاحظ بروز الشخصية التاريخية المتميزة للمغرب الكبير وعلى الأخص المغرب الأقصى فكانت  مرحلة صناعة القرار السياسي والعسكري والإداري والاجتماعي في بلاد المغرب الأقصى بوجه خاص، صحيح أنها ملاحظة ذاتية ولكن إثبات الذات يفرض الاهتمام بالصحة الذاتية ومعالمها الكبرى في هذا التاريخ بوجه خاص.
ففي هذه المرحلة الزمنية تبرز أمامنا السيادة المغربية التي برزت مع المرابطين ونضجت مع الموحدين ثم بدأت تتأرجح مع المرينين. إذن ما هي العلاقة بين البنية الداخلية للمجتمع بالوضع السياسي العام الذي كان يحكم ويوجه تاريخ الغرب الإسلامي في هذه الفترة؟([37]).





([1])     نحيل في هذه الدراسة على تحقيق الأستاذ المختار بن الطاهر التليلي "لفتاوى ابن رشد"، نشر دار الغرب الإسلامي في ثلاثة أجزاء، بيروت، سنة 1407 ﻫ/ 1987 م.
([2])     وقد صدرت "نوازل القاضي عياض" برواية ولده وإضافاته لها، وقد اعتنى بها ونشرها الدكتور محمد بن شريفة.
([3])     انظر بهذا الصدد الدراسة الهامة التي أنجزها ريمون موني حول بلاد السودان بالاعتماد على المصادر الجغرافية الإسلامية وهي الدراسة المعروفة بـ: Tableau geographique de l’Afrique occidentale : après le sahara africain.
وانظر كذلك: دراسة الأستاذ عزالدين عمر موسى: النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2003.
        هويثي ميراندا، التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، ترجمة عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن، الدار البيضاء، 2004. ويراجع النص الإسباني الأصلي.
([4])     Pedro chalmeta, El Señor Del zoco en españa, instituto espano-arab de cultura, madrid 1973.                                                                                                           
([5])     تبرز أمامنا المصادر الهامة الآتية: ذخيرة ابن بسام في محاسن أهل الجزيرة، وقد نشرت محققة بعناية إحسان عباس؛ وهناك كتاب: قلائد العقيان للفتح ابن خاقان؛ وكتاب العقد الفريد، لابن عبد ربه؛ والبيان المغرب، لابن عذاري المراكشي؛ ونفح الطيب، للمقري، وسوى ذلك من الأعمال الكبرى والمصادر المؤرِّخة لدولة الإسلام ومجتمعه في الأندلس.
([6])            يعالج هذا الجانب أبحاث المؤرخين اليهود المختصين في تاريخ أندلس العصور الوسطى، أنظر في هذا السياق  الدراسات التي أعدّها موريس روبين حيّون حول: تاريخ الثقافة اليهودية من الشرق إلى الغرب؛ ودراسة حاييم زعفراني حول: يهود الأندلس والمغرب.
انظر: حاييم زعفراني، يهود الأندلس والمغرب، في جزأين، ترجمة أحمد شحلان، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط، 2000.
حاييم زعفراني، ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب تاريخ، ثقافة، ترجمة أحمد شحلان وعبد الغني أبو العزم، دار قرطبة: البيضاء، الطبعة الأولى 1987.
H. Zafrani: Juifs d’Andalousie et du Maghreb, MaisonneuveLarose, Paris, 1996Et M.R. Hayoun: Les lumières de Cordoue à Berlin, une Histoireintellectuelle du judaisme, Ed. JC Lattès 1996 .
([7])     انظر في هذا الصدد أبحاث الأدباء المختصين في تاريخ الأدب العربي في الأندلس، وخاصة أعمال الباحث المغربي الدكتور محمد بن شريفة في جميع أعماله ومنشوراته وخاصة ما قدمه لنيل جائزة الملك فيصل بالسعودية.
([8])     نحيل هنا بالخصوص على كتاب، أخبار المهدي بن تومرت، للبيذق الصنهاجي، نشر ليفي بروفنسال، وكذلك النشرات اللاحقة بعده؛ كما نحيل على دراسة الأستاذ عبد المجيد النجار، تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت
([9])     وقد عالج هذا الجانب باحثون متخصصون في تاريخ إسبانيا الإسلامية والمغرب، ويمكن أن نحيل على أعمال محمد عبد الله عنان في دراسته الهامة عن عصر المرابطين والموحدين: "دولة الإسلام في الأندلس"، مطبعة الخانجي، القاهرة، 1997؛ وراجع كذلك لنفس الكاتب "موسوعة دولة الإسلام في الأندلس".
([10])    يجدر بنا في هذا الصدد أن نحيل على كتب نوازل المرحلة التاريخية تلك النوازل التي عالجت قضايا الحياة اليومية واعتمدها قضاة وفقهاء الدولة المغربية في العصر المرابطي والموحدي، ومن ذلك أعمال: ابن رشد الجد، (ت.520 ﻫ)، الفتاوى الكبرى؛ ابن سهل، نوازل الأحكام، طبعت وحققت في مصر بعناية عبد المنعم خلاف؛ الونشريسي، المعيار، وغير ذلك من النوازل التي تعالج قضايا المجتمع المغربي في العصور الوسطى مثل: نوازل البرزليونوازل مازونة وكلها أرشدتنا إلى معرفة حقيقة المجتمع المغاربي.
([11])     نحيل هنا وبكل تأكيد على  المؤرخ الكبير: أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في كتاب: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت،1978.  وخاصة الجزء الرابع والسادس والسابع.
([12])     ما نشير إليه في المتن يمكن الاعتماد في تفسيره وبسطه على الأبحاث المنجزة في كتب المسالك والممالك أي في مؤلفات الجغرافيا العربية القديمة مثل أعمال أبي عبيد البكري، في المسالك والممالك، في جزأين، الدار العربية للكتاب، طرابلس، بيت الحكمة، تونس، 1992 ؛ ابن سعيد المغربي، كتاب الجغرافيا... وغيرها من الأعمال الكبرى التي أنتجها علم أدب الجغرافيا العربية الذي درسه العالم الروسي كراتشوفسكي والبحث الهام الذي كتبه العالم الدكتور حسين مؤنس حول الجغرافية والجغرافيين في المغرب والأندلس.
([13])   الإمارات الزناتية الصغرى المستقلة مثل إمارة بني يفرن ومغراوة والقبائل التابعة لهما خلال القرن الرابع الهجري. انظر هاشم العلوي القاسمي، مجتمع المغرب الأقصى، طبع وزارة الأوقاف، الرباط، 1995 م، الجزء الثاني.
([14])     الملاحظة الأساسية بالنسبة للتجمعات الصنهاجية هي انقسامها إلى تجمعات كبرى:
 فهناك صنهاجة الجبال وتكونهم العناصر الزيرية، وقد شكلت دولة بني زيري. انظر الهادي روجي إدريس، الدولة الصنهاجية: تاريخ إفريقية في عهد بني زيري من القرن 10 إلى القرن 12 م، جزأين، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1992.
 وهناك صنهاجة الصحراء والسهوب شمال الصحراء، وهؤلاء هم الذين كونوا دولة المرابطين وتجمعاتها القبلية الكبرى المنتشرة في الامتداد الكبير من المحيط الأطلسي إلى مشارف وادي النيل، وقد اهتم الباحثون المختصون في التاريخ الإسلامي بهذا العنصر الصنهاجي المرابطي اهتماما بالغا  =
= مثل: الدكتور سعد زغلول عبد الحميد، تارخ المغرب العربي، سبعة أجزاء، منشأة المعارف الإسكندرية، 1994؛ حسن أحمد محمود، قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت.
 وهناك العناصر الصنهاجية المنتشرة في المناطق الوسطى من المغرب الأقصى، وهم الذين ينقسمون إلى صنهاجة الشمس وصنهاجة الظل، وقد اختلطوا مع عناصر أخرى من فصائل قبلية كانت متمركزة في أقاليم الغابات بشمال المغرب بالأطلسين المتوسط والصغير وكذلك بجبال الريف المغربي، وهذه لم تُدرس دراسة مفصلة ومنفصلة، وإنما بحثت ضمن المجموعات القبلية المنتشرة في المغرب، وهذا الجانب هو الذي اهتم به مؤرخ المملكة المغربية المرحوم عبد الوهاب بن منصور، قبائل المغرب، المطبعة الملكية، الرباط، 1968. ولم يصدر منه سوى الجزء الأول فقط.
([15])     أهم ما يُوثق هذه المرحلة هو ابن عبد الحكم، فتوح مصر وإفريقية والأندلس، طبعة مصر ويرجع أيضا إلى ما نشره من هذا الكتاب أنيس الطباع، بيروت، 1987.
([16])     انظر دراسته: القبائل العربية في الأندلس حتى سقوط الدولة الأموية (91– 422 )، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1983.
([17])     اهتم بهذا الجانب المؤرخون الكبار المشهورون في العصور الإسلامية الوسطى، ومن بين من أرخ لهذا الحدث الكبير، وهو هجرة قبائل العرب بفصائلهم وتجمعاتهم من وادي النيل إلى المحيط الأطلسي المؤرخ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، (ت. 733 ﻫ)، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق محمد جابر عبد العال، الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1404 ﻫ/ 1984 م.
([18])     انظر ابن خلدون، العبر، ج 6. وفيه فصل هجرة قبائل العرب من المشرق إلى المغرب.
([19])     وقد أشار النويري صاحب نهاية الأرب، الهيأة المصرية العامة للكتاب، 1404 ﻫ/ 1984 م. أشار إلى أن وصول قبائل بني هلال العربية إلى أفريقية (تونس) كان حوالي 443 ، أي بعد انتقال العبيديين لتأسيس الدولة الفاطمية في مصر، وهذه المجموعات القبلية العربية كانت تمثل تجمعات بني هلال بفروعهم الكبرى وبين سليم وزغبة والأثبج، فقد استوطنوا جنوب إفريقية في الأول وانتقلوا بجموعهم إلى ضواحي مدينة القيروان وشمال إفريقية. وفي النصف الثاني من القرن 5 ﻫ بدأ شأنهم يتزايد قوة وطموحهم في التمركز والاستيلاء على المناطق الخصبة والرعوية والفلاحية يتعاظم وأصبحوا قوة يخاف جانبها في القرن الخامس والسادس للهجرة / العاشر والحادي عشر للميلاد، حتى أن أنظمة الحكم والأسر الحاكمة التي نشأت بعد العبيديين في المنطقة مثل الدولة الزيرية الصنهاجية ومن جاء بعدهم من الحماديين والموحدين يتحاشى العرب ويطلب ودهم، مما أدى إلى تكوين ونشأة سياسة خاصة لمعالجة أمرهم وتنظيم علاقتهم مع العرب، أي ضبط السياسة العملية بين السلطة الحاكمة الزيرية والحمادية مع قبائل بدو العرب، وهذا ما سينظم خاصة في العهد الموحدي ابتداءً من أواسط القرن السادس للهجرة.
([20])     يمثل بنو معقل موجة جديدة من قبائل العرب المهاجرة من غرب واد النيل إلى غرب إفريقية شمالاً وصحراء جنوبا، وهؤلاء كانوا قوة بشرية رعوية تهتم بوجه خاص برعي الأغنام والماعز والجمال أحيانا ومراقبة طرق التجارة بين شمال الصحراء وجنوبها، وإن كان اعتمادهم على الأغنام والماعز والأبقار. وكانت جموعهم ممثلة في تجمعات بني حسن الذين سيعرفون بـ"الحسانيين" وكونوا إمارات رعوية في غرب إفريقية، وقد اهتم ابن خلدون بهم بوجه خاص في الجزء السادس والسابع حيث أمدنا بمادة أساسية لا يستغنى عنها في دراسة هذا التجمع القبلي الأساسي في بلاد المغرب الكبير. ومن خلاله يتبين أن القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد كان قرنا خاصا بالانتشار العربي المعقلي في بلاد المغرب.
والمهم هنا الذي تجب الإشارة إليه هو تكوين أحلاف قبلية في المنطقة، هذه الأحلاف انتظمت واتحدت مع التجمعات البربرية الزناتية، وفي هذا القرن السابع ومنتصف الثامن اتحدت هذه القبائل العربية مع زناتة، فكونت في نفس الوقت أحلافا قريبة من الوحدة السياسية التي تنظمهم في دولة واحدة، فنشأت في هذا المُنْتَظَم التجمعي القبلي إمارات "انقسامية" وأهم ما يمثل ذلك اتفاق بني معقل مع بني مرين الزناتيين واتفاقهم مع بني عبد الواد التلمسانيين، وكذلك مع الحفصيين في المغرب الأدنى. (انظر: ابن خلدون، العبر، ج4، 6، 7؛ وكذاك انظر: شارل أندري جوليان، تاريخ إفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة، ج1، 2؛ عبد الله العروي،مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء؛ Henri Terasse, Histoire du Maroc, T II)..
([21])           انظر:                                               
George marçais-la berbèrie musulmane au moyen  age , Paris 1929.
     "           "         - Les Arabes en berbèrie au moyen age.  
([22])     المقصود بالتعبير المذكور في صلب النص هو ما حدث من انقلاب اجتماعي وسياسي ديني روحي مما أدى إلى نقل سلطة الحكم من الأسر التقليدية القديمة في بلاد المغرب الكبير أي نقل السلطة من الأسر ذات الأصل البربري الأمازيغي إلى الأسر الشريفة ذات الأصل العربي. (انظر: محمد القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، دار توبقال).                                                =
Mohamed Kably, Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du "Moyen-Age", Maisonneuve et Larose, paris 1986, pp. 293.302  
         هاشم العلوي القاسمي، بحوث ودراسات في تاريخ المغرب الوسيط.
([23])     انظر: العروي، مجمل تاريخ المغرب؛ الفشتالي، مناهل الصفا، تحقيق الدكتور عبد الكريم كريم؛ الناصري، الاستقصا؛ القبلي، مراجعات...Terrasse, Histoire du Maroc, Editions Atlantides,Casablanca1950.
([24])     انظر : المختار ولد حامد، حياة موريتانيا، معهد الدراسات الإفريقية، الرباط، 1414 ﻫ/ 1994 م.
Jean Dévisse, « Routes de commerce et échanges en Afrique occidentale en relation avec la Méditerranée. Un essai sur le commerce africain médiéval du XIe au XVIe siècle »journal de la Société des Africanistes, Année 1973, Volume 43, Numéro 2 ; Jean Devisse, L'Image du Noir dans l'art occidental, Bibliothèque des arts , Paris, 1979 ; Jean Devisse, Commerce et routes du trafic en Afrique OccidentaleHistoire générale de l’Afrique, UNESCO, NEA, 1990 ; M. Cuoq, Histoire de l’islamisation de l’Afrique de l’Ouest des origines à la fin du XVIè siècle, 1984 ; Jacques Heers, Esclaves et domestiques au moyen Age dans le monde méditerranéen, fayard, 1981.
([25])     انظر: هاشم العلوي القاسمي، «المرابطون ومرجعيتهم المالكية»، نشر مجلة التاريخ العربي، الرباط، عدد 54، 2010.
([26])     Serge Robert, Etudes Archéologiques sur le Royaume de Ghana.
([27])    . Unesco, Histoire générale de l’Afrique et ses références
([28])     راجع محمد الطالبي، الدولة الأغلبية؛ فرحات الدشراوي، الدولة الأغلبية.
([29])     انظر دراسة حاييم زعفراني المعنونة بـ: يهود الأندلس والمغرب في العصور الوسطى، وهي أهم دراسة أنجزت حول تاريخ اليهود في المجتمع الإسلامي المغاربي والأندلسي؛ وانظر كذلك بحث الأستاذ محمد الغرايب حول:يهود المغرب في العصور الوسطى، وهي أطروحة جامعية أنجزها تحت إشراف الدكتور هاشم العلوي القاسمي ونوقشت بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس.
([30])     انظر، عبد الواحد المراكشي، المعجب؛ وابن عذاري، البيان المغرب، القسم الموحدي. فقد اهتم هؤلاء بنكبة اليهود في العهد الموحدي حيث فر عدد منهم من المدن إلى تخوم الصحراء والجنوب المغربي.
([31])     André Chouraqui, histoire générale des juifs en Afrique du nord.   
([32])     Jaques Heers, Esclavages et domestiques dans le monde méditerranéen.
([33])     Fernand Braudel, «La méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II». Seconde édition revue et augmentée, Paris: Librairie, Armand Colinachevée d’imprimer en janvier 1967, 2T.
([34])     انظر: هاشم العلوي القاسمي، مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن الرابع الهجري، طبعة وزارة الأوقاف المغربية، 1995.
([35])     انظر: حسين مؤنس، فتح العرب للمغرب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، د.ت؛ حسين مؤنس، فجر الأندلس؛ حسين مؤنس، تاريخ المغرب وحضارته، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1412/ 1992 م. الناشر العصر الحديث ودار المناهل الطبعة الأولى، 2002.
([36])     محمود إسماعيل، الخوارج فى بلاد المغرب، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1976.
 Encyclopédie de l’IslamNouvelle édition, 1993 ; Tadeusz Lewicki, Les kharijites
([37])     هذا موضوع مقال لاحق أعددناه للنشر بمجلة "التاريخ العربي" وكذلك الخرائط التي اعتنت بها الدراسة في هذا البحث وما سيأتي في البحث الموالي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق