السبت، 18 أغسطس، 2012

حفريات جمال بامي في القبور الإسلامية بالمغرب

حفريات جمال بامي في القبور الإسلامية بالمغرب
تحول الباحث المغربي جمال بامي إلى ما يشبه "حفار للقبور" الإسلامية بالمغرب، ولكن الحفر هنا من منظور سوسيولوجي صرف، ويجمع في آن بين الشق النظري والعملي، من خلال مضمون كتاب حديث صدر له مؤخرا عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تحت عنوان: "حالة مقابر المسلمين بالمغرب.. مقترحات عملية من أجل إصلاحها". (الرباط، ط 1، 2012).

تفرع الكتاب على الأبواب التالية: هناك بداية مدخل نظري حول علم المقبريات وأبعاده العملية بالمغرب؛ الوضع الاعتبار للمقابر في المرجعية الإسلامية؛ ثم الوضع الاعتباري للمقابر من المنظور الحقوقي والقانوني.

من فصول الدراسة، نقرأ على الخصوص: معطيات الدراسة الميدانية، نتائجها، قبل اشتغال المؤلف على نموذج لمقابر الجنوب المغرب (مقبرتي العيون وفم أزكيد بطاطا)، ثم توقف عند المقابر ذات القيمة الإيكولوجية.

نقرأ فصلا أيضا عن تدهور حالة المقابر، مفصلا آخر يتضمن مقترحات عملية من أجل حماية مقابر المسلمين وصيانتها، ودراسة أخرى عن مقبرة نموذجية (مقبرة الغفران بالدار البيضاء)، وأخيرا، توقف الكاتب عند بعض آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية من أجل صيانة المقابر وحمايتها.
من ميزة الكتاب الذي طبع في نسخة أنيقة، كون تضمن ملحقا يتضمن لائحة من الصور لأهم المقابر في المغرب.
نقرأ في مقدمة العمل أن حالة المقابر اليوم يمكن اتخاذها على مدى تحضر الشعوب وتجذر القيم الإنسانية في نظرتها للكون والحياة والإنسان. وسواء كانت هذه المقابر تنتمي إلى المشهد الحضري في المدن أو إلى المشهد القروي في البوادي، فإن ثمة مقاييس ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار حين إيواء هذه المقابر في المجال العام.

وأضاف بامي أنه لا يعقل بأي حال من الأحوال اعتبار المقابر مجالا "ميتا" لمجرد أنه يأوي "الموتى"، بل جزءا "حيا" من المشهد العام داخل البوادي والمدن، بما يمكن أن نطلق عليه اسم " المقابر المشاهد"، وهو مفهوم يدخل في إطار تدبير المقابر ضمن إستراتيجية محكمة ومتكاملة لإعداد التراب وتأثيث المجال.

بخصوص فلسفة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في مجال حماية المقابر وتدبيرها، فقد توقف المؤلف عند مبادرة نوعية في هذا الصدد، جاءت تحت شعار: "النهوض بتدبير المقابر بإشراك جميع الأطراف المعنية"، إذ قرر المجلس أنه من بين الأمور التي وقف عليها، بمناسبة استكمال التحريات، الحالة السيئة للمقابر، حيث يتم الدفن في معظمها - بما فيها المتواجدة بالعاصمة الرباط- بدون نظام دقيق، كما أن "العديد منها لا تتوفر على سجلات للدفن ولا على نظام حراسة، وهو ما يتطلب إشراك جميع الفرقاء، من مجالس منتخبة وسلطات محلية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، للتداول في الموضوع وتحديد معايير للعناية بالمقابر والنهوض بتدبيرها".

في هذا السياق إذن، تأتي هذه الدراسة العميقة للمقابر بالمغرب، والتي تفرض اليوم نفسها بإلحاح، لأن اقتراح عملية من أجل الانقاد وإعادة الاعتبار، تقتضي عملا وصفيا وتحليليا مبنيا على معطيات ميدانية ومقاربة سوسيو- أنتروبولوجية، تسعى إلى فهم علاقة الإنسان المغربي اليوم بالمقابر وكيفية تعامله معها، وكذلك كيفية تعامل أصحاب القرار مع تدبير هذه "المنشآت العمرانية"، برأي الباحث، التي هي جزء لا يتجزأ من المجال العام و يفترض أن تشكل جزءا من التدبير اليومي للقطاع الترابي.

وغني عن التذكير، أن دراسة جمال بامي هذه، تكتسي بعدا نظريا من خلال إبراز الأنساق الاجتماعية والثقافية التي تؤطر المجالات القبورية في مختلف جهات المملكة، كما أنها تشكل المعلومات المكثفة المتحصلة من الدراسة الميدانية ذات فائدة، بالنسبة للمشتغلين بعلم الاجتماع و كذلك بالنسبة لدوائر القرار السياسي والجمعيات المدنية... ويتحلى البعد التطبيقي لدراسة بامي في المقترحات العملية التي نحسبُ أنها تساهم في إعداد مشاريع من أجل إعادة تدبير المقابر في مختلف المناطق المغربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق