الأربعاء، 1 أغسطس 2012

يرجع الفضل إلى هيجل في إبراز مفهوم الاغتراب وربطه بمفهوم آخر لا يقل عنه أهمية هو مفهوم الوجود ذاته. ورغم أن معظم المدارس والاتجاهات الفكرية والفلسفية الحديثة قد تناولت العلاقة بين الوجود والاغتراب على أساس من التكامل والالتحام الكامل على نحو ما نجد في مدرسة "الجشطالت" مثلا، إلا أن هذا التكامل لم يصل إلى منتهاه إلا على يد هيجل. والفضل في ذلك يرجع بالطبع إلى الديالكتيك، تلك الآلة الجبارة التي مكنت هيجل من اكتشاف منطقة بكر وجديدة تماما في الوجود، هي المنطقة التي سماها منطقة "ما بين الذاتيات"، والتي زعم أن الوصول إليها يعني اكتشاف الإنسان لمعناه الحق، أي لمعنى وجوده بما هو إنسان. ومع سقوط كل قيد يفرض على النفس وكل حد خارجي يحدها من الخارج، يستعيد الإنسان سيطرته على سائر الموضوعات والأشياء، ويتذوق، على مهل، لذة الشعور بأنه يعيش في بيته، وبأن الوجود كله قد خلق من أجله هو بالذات. لكن المرور بخبرة من هذا النوع أو الضرب "البين ذاتي"، العابر للذاتيات، والقاهر للاغتراب، يفترض أولا عند هيجل، نشأة الوعي بذاته. لقد اعتقد ديكارت أن مجرد التأمل في موضوع (أنا أفكر)، كاف بحد ذاته، لنشأة هذا الوعي، وفاته أن يدرك أن "المتأمل" قد يستغرقه "موضوعه" إلى الحد الذي يؤدي في النهاية إلى هروب "ذاته" هربا كليا، منه. أما هيجل، فقد جعله إدراكه المسبق لهذه النتيجة، يلزم جانب الحيطة والحذر. ولذا نجده يتخذ من "الرغبة" وليس "الفكر"، موضوعا للوعي بالذات. فالوعي بالذات عند هيجل ما هو إلا هذه الرغبة الإنسانية. الرغبة في رغبة آخر. الرغبة في أن أكون "قيمة" ترغب فيها، رغبة آخر. أو الرغبة في أن يعترف بي الآخر، بوصفي "قيمة" في ذاتها، مرغوبة منه. هذه الرغبة في رغبة، هي سبب ظهور "الوعي بذاته" عند هيجل. فالوعي بذاته، لا يمكن أن ينشأ إلا في "وعي بذاته"، آخر. إن "الوعي بذاته" يشبه إنعكاسا مرآويا. فكما أقف أمام مرآة، لكي أرى صورة جسمي، منعكسة فيها، لا يتحقق "الوعي بذاته" إلا إذا رأى نفسه في "وعي بذاته"، آخر. ولعل رامبو في ومضة من الحدس الشعري المفاجىء أن يكون قد مر بهذه الخبرة كلها في غمضة عين، عندما قال عبارته الذائعة الصيت: "أنا هو آخر". لكن اشتغال رغبة على رغبة على هذا النحو المستمر وبدون انقطاع ينذر بخطر الوقوع في "دور". ويفترض الخروج من هذا الدور، ضرورة قيام نضال مرير حتى الموت ينتهي بأحد طرفي النضال "سيدا"، لأنه آثر المخاطرة بحياته على التخلي عن المطالبة بالاعتراف به، وبالآخر "عبدا"، لأنه آثر العبودية للسيد، على التضحية بحياته. وإذا انتقلنا من مسرح الصراع الخارجي إلى المسرح الداخلي، وتكلمنا بلغة فرويد والتحليل النفسي، نجد السيد (الآخر) يتحول داخل "الأنا" إلى "ضمير" أو "أنا أعلى" لا يكف عن توجيه الاتهام إلى "الأنا" وإغراقها في سلسلة من مشاعر الذنب المتعاقبة. حتى الآن لم يفعل الديالكتيك سوى أنه قام بزرع الآخرية (الغيرية) في الذات مبرهنا في الآن نفسه على أن وعي هذه الذات بذاتها لن ينشأ إلا عن طريق هذه الغيرية عينها. ولا شك أننا قد لاحظنا أيضا "السالبية" التي انطوى عليها هذا الديالكتيك. والسؤال الآن هو هل هذه "السالبية" هي كل شىء بالنسبة للعلاقة مع الآخر ؟ وهل بمقدور كل من هذين "الوعيين" أن يتبادلا الاعتراف بدلا من مواصلة الصراع ؟ هنا يبرز دور الخبرة "البينذاتية"، ويتضح الجانب البناء في الديالكتيك بوصف "السالبية" التي يتكون منها، مجرد حلقة يقتضيها اطراد النمو في الحياة. وهكذا، أن تعي ذاتك معناه أن تكون لنفسك صورة مرآوية من خلال "وعي بذاته" آخر. ولكن هذه العملية لابد أن تتم من جانب الوعيين معا. فإذا كان على الذات أن تصبح عينها كآخر، بحسب عنوان كتاب لبول ريكور، فإن على الآخر أن يصبح عينه كذات. بهذا الشكل يستطيع كل من الطرفين أن يعيش دوره ودور الآخر معا، خبرته وخبرة الآخر معا. ويقوم الدليل على أن "السالبية" والنفي المعدم هي الطريق إلى بزوغ ضرب خاص من الخبرة، هي تلك التي يسميها هيجل الخبرة "العبرية" أو الخبرة "البينذاتية"، حيث ينقشع في رحابها، ظلام المادة، وتشع روح الإنسان من جديد. هكذا نفهم كيف يمكن للقراءة والموسيقا والفن أن تساهم جنبا إلى جنب الحب والدين في تكوين العمق الوجداني والروحي للإنسان. إن المستمع الذي يصغي إلى سيمفونية بيتهوفن التاسعة، مثلا، يصغي في الواقع إلى صوت "اللانهائية" الذي يتردد عبر السيمفونية. والمتفرج الذي يزور أحد المعابد، يجد نفسه يتحرك ضمن"مسافة" أوسع بكثير، من المسافة التي تتيحها له جدران المعبد الضيقة للغاية. والقارىء الذي يفتح كتابا لا يفتحه بدافع الاشتغال على موضوع أكاديمي جامد، بل بدافع مشكلة يعانيها من الباطن ويسعى لرفع الإشكال الذي بها. وهكذا، وعلى عكس الوعي الشقي والمغترب، الطبيعي أو العادي، حيث يستمر نرسيس في التحديق إلى صورته المنعكسة في الماء، يؤكد لنا الوعي "البينذاتي" أن قهر الاغتراب ممكن، طالما تسامى الوجود الإنساني بالذات، وتوجهت كينونة الإنسان نحو شىء آخر، غير شخصه.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق